ياسين مالكاوي
تتجه الأنظار مجددا نحو المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما ظهرت خلال الساعات الماضية مؤشرات على اقتراب الطرفين من تفاهم أولي قد يخفف من حدة المواجهة المتصاعدة في الشرق الأوسط، دون أن يصل بعد إلى مستوى الاتفاق الشامل.
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت جولات التفاوض الأخيرة، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدا حريصا على تبريد سقف التوقعات، مؤكدا أن واشنطن “لا تستعجل” التوصل إلى اتفاق نهائي، وأن الإدارة الأمريكية تريد “الحل الصحيح” لا الحل السريع.
تفاهم مرحلي بدل الاتفاق الكبير
المعطيات المسربة من كواليس التفاوض تشير إلى أن الطرفين يعملان حاليا على صياغة مذكرة تفاهم مؤقتة تتكون من عدة بنود، تركز بالدرجة الأولى على الملفات الميدانية والاقتصادية العاجلة، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدا، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، إلى مرحلة لاحقة.
ووفق التسريبات المتداولة، فإن التفاهم المرتقب قد يشمل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بعد أشهر من التوتر، إضافة إلى تحرير جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج، مقابل استمرار المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة.
لكن هذا المسار لا يزال يواجه عقبات حقيقية، خاصة في ما يتعلق بآلية رفع العقوبات الأمريكية وحجم الأموال التي ستفرج عنها واشنطن، وهي نقاط تقول طهران إنها لم تحسم بعد.
الملف النووي.. العقدة الأكبر
ورغم الحديث عن تقدم سياسي، فإن الملف النووي ما يزال يمثل أكثر القضايا تعقيدا بين الجانبين.
فالإدارة الأمريكية تصر على منع إيران من امتلاك أي قدرة تسمح لها بتطوير سلاح نووي، بينما تتمسك طهران بحقها في مواصلة برنامجها النووي للأغراض السلمية.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن أي اتفاق نووي حقيقي “لن ينجز خلال أيام”، موضحا أن الملف يتطلب مفاوضات تقنية معقدة وحلولا تدريجية للقضايا المرتبطة بالتخصيب والمراقبة والعقوبات.
وفي المقابل، شددت الخارجية الإيرانية على أن التفاهم الحالي لا يعني الوصول إلى اتفاق شامل، بل يمثل خطوة أولى فقط ضمن مسار تفاوضي طويل.
وتشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ما يزال خارج إطار التفاهم الحالي، على أن يناقش لاحقا ضمن جولات منفصلة.
إسرائيل تراقب وتضغط
بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي، تحاول إسرائيل الحفاظ على سقف ضغوطها المرتفع تجاه إيران.
فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن أي اتفاق نهائي يجب أن ينهي “التهديد النووي الإيراني بالكامل”، بما يشمل تفكيك منشآت التخصيب وإخراج المواد المخصبة من إيران.
كما شدد نتانياهو على أن إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري في مختلف الجبهات، في إشارة واضحة إلى استمرار العمليات في لبنان وسوريا.
ويعكس هذا الموقف حجم القلق الإسرائيلي من أي تفاهم جزئي قد يمنح طهران مساحة لالتقاط الأنفاس اقتصاديا وسياسيا دون تقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي.
هرمز.. مفتاح الاقتصاد العالمي
أحد أبرز محاور التفاهم الجاري يتمثل في مستقبل مضيق هرمز، الذي يشكل شريانا أساسيا لتجارة النفط العالمية.
فإيران استخدمت خلال الأشهر الماضية ورقة المضيق كورقة ضغط إستراتيجية، ما تسبب باضطرابات واسعة في أسواق الطاقة وارتفاع المخاوف الدولية من تعطل الإمدادات النفطية.
وتشير التسريبات الحالية إلى أن التفاهم المقترح قد يسمح بإعادة فتح المضيق بشكل كامل أمام الملاحة، مع الإبقاء على السيادة الإيرانية عليه، مقابل تخفيف تدريجي لبعض القيود الاقتصادية المفروضة على صادرات النفط والغاز.
ويرى مراقبون أن هذه النقطة تمثل أولوية عاجلة لواشنطن والدول الغربية أكثر من الملف النووي نفسه، نظرا لتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
لبنان يدخل على خط الأزمة
وفي موازاة التفاوض الأمريكي الإيراني، يتواصل التوتر في الساحة اللبنانية، حيث تتبادل واشنطن وحزب الله الاتهامات بشأن مستقبل الاستقرار في البلاد.
واتهم روبيو الحزب بمحاولة نشر الفوضى وتقويض الدولة اللبنانية، بينما رد الأمين العام للحزب نعيم قاسم بالتأكيد على التمسك بالسلاح ورفض أي مسار يؤدي إلى نزعه.
ميدانيا، لا تزال الغارات الإسرائيلية مستمرة على جنوب لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس هشاشة الوضع الأمني واحتمال انفجاره مجددا في أي لحظة.
هل ينجح المسار الجديد؟
حتى الآن، يبدو أن واشنطن وطهران تقتربان من تفاهم محدود يهدف إلى تهدئة الجبهات ومنع الانفجار الكبير، لا إلى إنهاء الصراع بالكامل.
فالملفات الأكثر حساسية ما تزال مؤجلة، والثقة بين الطرفين شبه معدومة، كما أن الحسابات الإقليمية، خاصة الإسرائيلية، قد تعرقل أي تقدم سريع.
ومع ذلك، فإن مجرد عودة قنوات التفاوض المباشر وغير المباشر إلى العمل يمنح المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، بعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر الذي كاد يدفع الشرق الأوسط إلى مواجهة أوسع وأكثر خطورة.


