مخطوطة موزارت الموسيقية المفقودة تخرج إلى النور

0
2

ياسمين معرابالي – باريس

 

في اكتشاف وصفه المتخصصون بأنه من أبرز الاكتشافات الموسيقية في العقود الأخيرة، أعلنت المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس العثور على دفتر موسيقي أصلي بخط يد الموسيقار النمساوي الشهير فولفغانغ أماديوس موزارت، يتضمن أعمالاً وملاحظات تعليمية ظلت مجهولة لعقود طويلة داخل أرشيف المكتبة.

كنز موسيقي يظهر بعد أكثر من قرنين

ويضم الدفتر سبع مقطوعات موسيقية للفلوت والقيثارة (الهارب)، إضافة إلى مجموعة من الدروس والتمارين التي أعدها موزارت خلال فترة تدريسه لإحدى تلميذاته الأرستقراطيات في فرنسا، ما يمنح الباحثين نافذة نادرة على أسلوبه التعليمي وعلاقته المباشرة بطلابه.

وثيقة تكشف جانباً مجهولاً من شخصية موزارت

تكمن أهمية المخطوطة في أنها لا تقدم أعمالاً موسيقية جديدة فحسب، بل تسلط الضوء على موزارت بوصفه معلماً وموجهاً فنياً، وليس فقط مؤلفاً موسيقياً استثنائياً.

ويحتوي الدفتر على نحو اثني عشر درساً في التأليف الموسيقي أعدها لماري لويز فيليبين دو بونيير دو غين، ابنة دوق غين، الذي كان من رعاة الموسيقى البارزين في فرنسا. وتُظهر الصفحات كيف كان الملحن الشاب يتفاعل مع تلميذته من خلال تمارين مشتركة تعتمد على تبادل الأدوار في كتابة الأجزاء الموسيقية.

ويرى باحثون أن هذه الوثيقة تقدم دليلاً مباشراً على منهج موزارت في التعليم، وهو جانب لا تتوافر عنه سوى معلومات محدودة في المصادر التاريخية.

سبع مقطوعات جديدة تضيف إلى إرث الموسيقار العالمي

يتألف الدفتر من 44 صفحة، تضم سبع مقطوعات موسيقية للفلوت والقيثارة، بقيت إحداها غير مكتملة. ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية إضافية بالنسبة لعازفي الآلتين، نظراً إلى محدودية الأعمال التي كتبها موزارت خصيصاً لهذا الثنائي الموسيقي.

ويؤكد مختصون أن إضافة سبع مقطوعات جديدة إلى رصيد أحد أشهر المؤلفين في التاريخ يُعد حدثاً استثنائياً، خاصة أن العثور على أعمال غير معروفة لموزارت أصبح أمراً نادراً للغاية في العصر الحديث.

رحلة الاكتشاف.. خبرة وشغف وملاحظة دقيقة

بدأت قصة الاكتشاف عندما كان أمين قسم الموسيقى في المكتبة الوطنية الفرنسية، فرانسوا بيير غوي، يراجع مجموعة من المخطوطات القديمة غير المصنفة قبل تقاعده المرتقب.

وخلال فحصه لدفتر صغير خالٍ من العنوان، لفتت انتباهه تفاصيل دقيقة في أسلوب الكتابة الموسيقية، من بينها شكل الأقواس الموسيقية ومفاتيح الصول وبعض العلامات التي تتطابق مع خصائص معروفة في مخطوطات موزارت الأصلية.

ومع استمرار المقارنات الفنية والبحثية، بدأت الشكوك تتحول إلى قناعة علمية مدعومة بالأدلة، خصوصاً بعد مطابقة نوع الورق والأختام المستخدمة مع وثائق أخرى مرتبطة بموزارت خلال إقامته في فرنسا.

تدقيق دولي يؤكد أصالة المخطوطة

خضعت الوثيقة لسلسلة من عمليات الفحص والتدقيق من قبل خبراء متخصصين في أعمال موزارت، بما في ذلك باحثون من مؤسسة موزارتيوم في مدينة سالزبورغ النمساوية، التي تُعد المرجع الأبرز عالمياً في دراسة إرث المؤلف الشهير.

وبعد مراجعات علمية دقيقة، أكد الخبراء أصالة المخطوطة ونسبتها بشكل قاطع إلى موزارت، ما منح الاكتشاف ثقلاً أكاديمياً وتاريخياً كبيراً.

من أرشيف الثورة الفرنسية إلى واجهة الاهتمام العالمي

تشير السجلات التاريخية إلى أن المخطوطة كانت ضمن مجموعة وثائق صودرت من منزل دوق غين خلال أحداث الثورة الفرنسية، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى المكتبة الوطنية الفرنسية، حيث بقيت محفوظة لعقود طويلة دون أن يُدرك أحد قيمتها الحقيقية.

ويعكس هذا المسار التاريخي كيف يمكن لوثائق بالغة الأهمية أن تبقى مجهولة داخل الأرشيفات لسنوات طويلة قبل أن تعيد الصدفة والبحث العلمي اكتشافها.

المقطوعات الجديدة تستعد للظهور أمام الجمهور

يمثل الاكتشاف فرصة نادرة لعشاق الموسيقى الكلاسيكية للاستماع إلى أعمال لم تُؤدَّ من قبل. ومن المقرر تقديم المقطوعات المكتشفة لأول مرة أمام جمهور مختار داخل المكتبة الوطنية الفرنسية، بمشاركة موسيقيين من أوركسترا إذاعة فرنسا الفيلهارمونية.

كما جرى تسجيل الأعمال الجديدة تمهيداً لبثها إذاعياً وإتاحتها لجمهور أوسع، في خطوة ينتظرها الباحثون وعشاق موسيقى موزارت حول العالم.

اكتشاف قد يعيد تقييم مرحلة كاملة من حياة موزارت

لا تقتصر أهمية المخطوطة على إضافة أعمال جديدة إلى التراث الموسيقي العالمي، بل تمتد إلى إعادة قراءة مرحلة مهمة من حياة موزارت خلال إقامته في فرنسا. فالتفاصيل الواردة في الدفتر تقدم صورة أكثر قرباً عن نشاطه اليومي وعلاقاته الفنية وأساليبه التعليمية.

ويرى مختصون أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام دراسات جديدة تسهم في فهم أعمق لمسيرة الموسيقار النمساوي، وتكشف جوانب ظلت غائبة عن الباحثين لأكثر من قرنين من الزمن.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا