حقنة ذكية تهاجم الأورام السرطانية بثلاثة مسارات

0
16

لندن – مريم عمارو

 

في تطور طبي قد يفتح آفاقًا جديدة في مواجهة السرطان، كشفت دراسة سريرية دولية عن نتائج لافتة لعلاج مبتكر يعتمد على حقنة دوائية قادرة على استهداف الأورام بطرق متعددة في الوقت نفسه، ما ساعد على تقليص حجمها بشكل كبير، بل والتخلص منها بالكامل لدى عدد من المرضى الذين استنفدوا تقريبًا جميع الخيارات العلاجية المتاحة.

شارك في التجربة السريرية 102 مريض من 11 دولة، جميعهم كانوا يعانون من سرطان الرأس والعنق في مراحل متقدمة، بعدما عاد المرض للظهور أو انتشر إلى أعضاء أخرى من الجسم رغم خضوعهم سابقًا للعلاج الكيميائي والعلاج المناعي والعلاجات التقليدية الأخرى.

أظهرت النتائج أن العلاج الجديد، المعروف باسم “أميفانتاماب”، نجح في تقليص الأورام لدى 43 مريضًا، فيما اختفت الأورام بشكل كامل لدى 15 مريضًا، وهو ما اعتبره الباحثون إنجازًا طبيًا مهمًا بالنظر إلى طبيعة الحالات المشاركة في الدراسة.

نتائج غير مسبوقة

يرى الأطباء المشرفون على الدراسة أن أهمية هذه النتائج لا تكمن فقط في نسب الاستجابة، بل في نوعية المرضى الذين شملتهم التجربة، إذ إن معظمهم كانوا قد وصلوا إلى مرحلة أصبحت فيها الخيارات العلاجية محدودة للغاية.

قال البروفيسور كيفن هارينغتون، المتخصص في علاجات السرطان البيولوجية بمعهد أبحاث السرطان في لندن، إن هذه النتائج تعد من أقوى الاستجابات التي تم تسجيلها لدى مرضى لم يعودوا يستجيبون للعلاج الكيميائي أو المناعي.

أضاف أن الأمل كان محدودًا أمام كثير من هؤلاء المرضى، لذلك فإن تحقيق هذا المستوى من التحسن يمنح دفعة قوية للباحثين ويشير إلى إمكانية تطوير جيل جديد من العلاجات الأكثر فعالية.

كيف تعمل هذه الحقنة؟

تعتمد الحقنة الجديدة على استراتيجية متقدمة في مهاجمة الخلايا السرطانية، حيث تستهدف أكثر من مسار بيولوجي في آن واحد.

فالعلاج يعطل عمل مستقبلات معينة تستخدمها الأورام للنمو والتكاثر، أبرزها مستقبل عامل نمو البشرة المعروف اختصارًا بـ EGFR، والذي يلعب دورًا مهمًا في تطور العديد من أنواع السرطان.

كما يثبط مستقبل “MET”، وهو أحد المسارات التي تلجأ إليها الخلايا السرطانية للتهرب من تأثير الأدوية والعلاجات التقليدية.

ولا يقتصر دور العلاج على ذلك، بل يساعد أيضًا في تنشيط الجهاز المناعي وتحفيزه على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها بصورة أكثر فعالية.

يقول الباحثون إن هذا الجمع بين الاستهداف المباشر للورم وتعزيز المناعة يمثل أحد أسرار النجاح الذي أظهره العلاج خلال التجارب الأولية.

ميزة إضافية للمرضى

إحدى أبرز مزايا “أميفانتاماب” تتمثل في طريقة إعطائه، إذ لا يحتاج إلى جلسات طويلة من الحقن الوريدي داخل المستشفيات كما هو الحال مع العديد من علاجات السرطان الأخرى.

فالدواء يُعطى عن طريق حقنة تحت الجلد، ما يجعل استخدامه أكثر سهولة وراحة للمرضى، ويخفف العبء على الطواقم الطبية والمراكز العلاجية.

يرى خبراء أن هذه الميزة قد تساهم مستقبلاً في تسريع وصول العلاج إلى أعداد أكبر من المرضى وتقليل مدة بقائهم في المستشفيات.

آفاق أوسع لعلاج أنواع أخرى من السرطان

رغم أن الدراسة ركزت على سرطان الرأس والعنق، فإن المؤشرات الأولية تبدو مشجعة في أنواع أخرى من السرطان أيضًا.

فقد أظهرت تجارب مبكرة نتائج واعدة لدى بعض مرضى سرطان الرئة، فيما يجري حاليًا اختبار العلاج في عشرات الدراسات السريرية حول العالم لتقييم فعاليته ضد أورام أخرى تشمل سرطان القولون والمعدة والدماغ وعددًا من الأورام الصعبة العلاج.

يأمل الباحثون أن تؤكد المراحل المقبلة من التجارب هذه النتائج، بما يسمح بالحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة واعتماد العلاج على نطاق أوسع.

خطوة مهمة وليست علاجًا نهائيًا

رغم التفاؤل الكبير الذي أثارته هذه النتائج، يشدد العلماء على أن العلاج لا يزال في مراحل التجارب السريرية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لمتابعة المرضى لفترات أطول والتأكد من استدامة النتائج وسلامة الاستخدام على المدى البعيد.

لكن المؤكد، بحسب الخبراء، أن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة مهمة في مسار البحث عن علاجات أكثر فعالية للسرطان، خاصة للمرضى الذين لم تعد العلاجات التقليدية تمنحهم فرصًا كبيرة للتحسن.

في عالم يخوض منذ عقود معركة مستمرة ضد السرطان، تبدو هذه الحقنة الجديدة بمثابة بارقة أمل قد تغير مستقبل علاج المرض وتمنح آلاف المرضى حول العالم فرصة جديدة للحياة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا