علي المهدواني
يشهد العالم تحولًا غير مسبوق في قطاع الطاقة، مع تزايد الاستثمارات والرهانات على مصادر الطاقة النظيفة باعتبارها أحد الحلول الرئيسية لمواجهة التغير المناخي وضمان أمن الإمدادات في المستقبل.
فبعد عقود طويلة من الاعتماد على النفط والفحم والغاز الطبيعي، تتجه الحكومات والشركات الكبرى نحو مصادر أقل تلويثًا للبيئة وأكثر استدامة، مدفوعة بالضغوط البيئية والاقتصادية والتكنولوجية.
وتشمل الطاقة النظيفة مجموعة واسعة من المصادر التي تنتج الكهرباء أو الحرارة مع مستويات منخفضة جدًا من الانبعاثات الكربونية. وفي مقدمة هذه المصادر تأتي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، إلى جانب الطاقة النووية التي تعد من أبرز مصادر الكهرباء منخفضة الانبعاثات.
مصادر متنوعة
تعتمد الطاقة الشمسية على تحويل أشعة الشمس إلى كهرباء باستخدام الألواح الكهروضوئية، بينما تستغل طاقة الرياح حركة الهواء عبر التوربينات لإنتاج الكهرباء.
كما تلعب السدود والمحطات الكهرومائية دورًا مهمًا في توفير الطاقة عبر استغلال حركة المياه، في حين تعتمد الطاقة الحيوية على تحويل المخلفات الزراعية والعضوية إلى وقود أو كهرباء.
أما الطاقة الحرارية الأرضية فتستفيد من الحرارة المختزنة داخل باطن الأرض، بينما لا تزال تقنيات استغلال الأمواج والمد والجزر البحرية تشهد مراحل تطوير متقدمة في عدد من الدول.
الطاقة النووية في المشهد الجديد
رغم الجدل الذي يحيط بها، تواصل الطاقة النووية تعزيز مكانتها كمصدر رئيسي للكهرباء منخفضة الكربون. وتمتاز بقدرتها على إنتاج الكهرباء بشكل مستمر دون التأثر بالتقلبات الجوية، وهو ما يجعلها عنصرًا مهمًا في مزيج الطاقة العالمي.
وتوفر المحطات النووية حصة معتبرة من الكهرباء في العديد من الدول الصناعية، كما تتجه دول أخرى إلى بناء مفاعلات جديدة لدعم أهدافها المناخية وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
من الماضي إلى الحاضر
لم يكن الاعتماد على الطاقة النظيفة وليد العصر الحديث. فقد استخدمت الحضارات القديمة الرياح لدفع السفن الشراعية، واستفادت من المياه في تشغيل الطواحين، كما اعتمدت على أشعة الشمس والكتلة الحيوية لتلبية احتياجاتها اليومية.
لكن الثورة الصناعية غيّرت المشهد بالكامل، بعدما أصبح الفحم ثم النفط والغاز المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي. ومع مرور الوقت، أدى هذا الاعتماد المكثف إلى ارتفاع مستويات التلوث وزيادة الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
لماذا يتسارع التحول اليوم؟
يرى خبراء الطاقة أن ثلاثة عوامل رئيسية تقود التحول العالمي الحالي: مكافحة التغير المناخي، وتحقيق أمن الطاقة، وخفض التكاليف.
فالتقلبات المتكررة في أسواق النفط والغاز أظهرت هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري، بينما ساهم التقدم التكنولوجي في خفض تكلفة إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
كما دفعت الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمناخ العديد من الحكومات إلى وضع أهداف طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية والاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة النظيفة.
أرقام تعكس حجم التحول
خلال السنوات الأخيرة، سجلت مصادر الطاقة المتجددة معدلات نمو قياسية، وأصبحت تمثل النسبة الأكبر من القدرات الجديدة المضافة إلى قطاع الكهرباء العالمي.
كما شهدت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح توسعًا سريعًا بفضل انخفاض تكاليف الإنشاء والتشغيل، في وقت تواصل فيه الطاقة النووية تسجيل مستويات إنتاج مرتفعة في عدد من الأسواق الكبرى.
ويؤكد خبراء أن وتيرة نمو الكهرباء النظيفة أصبحت أسرع من نمو الطلب العالمي على الكهرباء، وهو ما يعكس تغيرًا تدريجيًا في بنية منظومة الطاقة العالمية.
فوائد تتجاوز البيئة
لا تقتصر مكاسب الطاقة النظيفة على خفض الانبعاثات فقط، بل تشمل أيضًا تعزيز الاستقلال الطاقوي للدول، وخلق فرص عمل جديدة، وتحفيز الابتكار الصناعي والتكنولوجي.
كما تسهم في تحسين جودة الهواء وتقليل التكاليف الصحية المرتبطة بالأمراض الناتجة عن التلوث، إلى جانب توفير الكهرباء للمناطق النائية التي يصعب ربطها بالشبكات التقليدية.
تحديات مستمرة
ورغم التقدم الكبير، لا تزال هناك عقبات أمام الانتقال الكامل إلى الطاقة النظيفة، أبرزها الحاجة إلى تطوير تقنيات تخزين الكهرباء، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتأمين التمويل اللازم للمشاريع الكبرى.
كما تواجه بعض الدول النامية صعوبات تتعلق بالبنية التحتية والقدرات التقنية، ما يجعل تحقيق التحول الطاقوي الكامل عملية تدريجية تتطلب استثمارات طويلة الأمد.
ومع ذلك، يتفق معظم الخبراء على أن الطاقة النظيفة لم تعد خيارًا مستقبليًا فحسب، بل أصبحت واقعًا يتوسع عامًا بعد آخر، ويعيد رسم خريطة الطاقة العالمية بصورة متسارعة.


