فيضان الفرات التاريخي يغيّر المشهد شرق سوريا

0
19

محمد رميتة

بعد سنوات طويلة من الانخفاض الحاد في منسوب المياه، عاد نهر الفرات هذا الأسبوع إلى واجهة المشهد السوري بصورة لم يعهدها السكان منذ عقود، بعدما اقتربت بحيرة سد الفرات من الامتلاء الكامل، الأمر الذي دفع الجهات الفنية إلى فتح بوابات المفيض تدريجيا لتصريف كميات ضخمة من المياه ومنع الضغط على جسم السد.

الحدث الذي وصفه مختصون بأنه استثنائي أعاد إلى ذاكرة السوريين مشاهد الثمانينيات، حين كان الفرات يعيش ذروة عطائه المائي قبل أن تدخل المنطقة في عقود من الجفاف والتراجع المناخي والأزمات السياسية التي أنهكت هذا الشريان الحيوي.

أمطار غزيرة تقلب المعادلة

التحول المفاجئ في وضع النهر لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة موسم مطري استثنائي شهدته مناطق واسعة من حوض الفرات خلال الأشهر الماضية، إضافة إلى ارتفاع معدلات الهطول في المناطق الجبلية التي تغذي النهر.

وبحسب خبراء في الموارد المائية، فإن بحيرة سد الفرات استقبلت خلال الموسم الحالي مليارات الأمتار المكعبة من المياه، ما رفع المخزون المائي إلى مستويات قاربت الحد الأقصى للتخزين، وهو ما فرض على إدارة السد زيادة كميات المياه المفرغة عبر المفيضات بشكل تدريجي.

وقد ارتفعت الإطلاقات المائية من المعدلات الطبيعية إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، وسط توقعات باستمرار ارتفاع التدفقات إذا استمرت التغذية المائية الحالية.

ويقع سد الفرات، المعروف أيضا باسم سد الطبقة، غرب مدينة الرقة، ويعد من أكبر المشاريع الإستراتيجية في سوريا، إذ يشكل المصدر الرئيسي للري وتوليد الطاقة وتخزين المياه في المنطقة الشرقية.

استنفار على ضفاف النهر

ومع ارتفاع منسوب المياه، بدأت السلطات المحلية وفرق الطوارئ بتنفيذ سلسلة من الإجراءات الاحترازية في محافظتي الرقة ودير الزور، تحسبا لأي فيضانات قد تهدد القرى والأراضي الزراعية القريبة من مجرى النهر.

ووجهت الجهات المختصة تحذيرات مباشرة للسكان المقيمين قرب الضفاف والمناطق المنخفضة، مطالبة بإخلاء المواقع المعرضة للخطر والاستعداد لأي ارتفاع إضافي في المياه، خاصة في المناطق الزراعية التي بدأت تتأثر بالفعل بتمدد المياه نحو بعض الحقول.

كما تم تعليق حركة بعض الزوارق والمعابر النهرية، إضافة إلى فرض قيود مؤقتة على المرور فوق الجسور الترابية القريبة من مجرى الفرات، خوفا من تآكل التربة أو حدوث انهيارات جزئية بسبب ضغط المياه.

وفي القطاع الزراعي، سارعت مديريات الزراعة إلى فتح المصارف المائية وتنظيف القنوات وتجهيز سواتر ترابية لحماية المحاصيل، مع الدعوة إلى الإسراع في حصاد القمح والشعير في المناطق القريبة من النهر قبل تعرضها للغمر.

وشملت الإجراءات أيضا نقل المواشي والمعدات الزراعية إلى مناطق مرتفعة، وتأمين مصادر مياه بديلة، إضافة إلى تعزيز المراقبة الصحية لمنع انتشار الأمراض المرتبطة بركود المياه والرطوبة.

أضرار أولية وتحركات هندسية

الارتفاع المفاجئ في منسوب الفرات تسبب أيضا في ظهور أضرار أولية ببعض البنى التحتية، خاصة في محيط الجسور والمعابر المؤقتة.

ففي محافظة الرقة، جرى إغلاق أحد الجسور المؤقتة بشكل احترازي بعد ظهور تشققات وحفر ناجمة عن ضغط المياه، بينما بدأت الورشات الفنية عمليات تدعيم عاجلة لتفادي أي انهيار محتمل.

وأكد مهندسون يعملون في الموقع أن فرق الصيانة باشرت أعمال تقوية ودعم للأجزاء المتضررة، مع استمرار عمليات المراقبة الفنية على مدار الساعة.

من الجفاف إلى الوفرة

المشهد الحالي يحمل مفارقة كبيرة بالنسبة للسوريين، إذ جاء بعد سنوات طويلة من التحذيرات المتعلقة بجفاف نهر الفرات وتراجع تدفقاته إلى مستويات خطيرة.

فعلى مدار الأعوام الماضية، عانت سوريا من انخفاض كبير في الموارد المائية نتيجة التغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، إضافة إلى آثار الحرب التي دمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية المرتبطة بالمياه والكهرباء.

كما شهدت تدفقات الفرات القادمة من الأراضي التركية انخفاضا واضحا خلال السنوات الأخيرة، رغم وجود اتفاقيات تنظم الحد الأدنى للتدفق المائي بين البلدين.

هذا التراجع انعكس بصورة مباشرة على الزراعة ومياه الشرب وتربية المواشي، وأدى إلى تضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، فضلا عن زيادة الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة في بعض المناطق.

هل يستمر المشهد الاستثنائي؟

ورغم الارتياح الذي ولده امتلاء البحيرة وعودة الفرات إلى مستويات مرتفعة، فإن خبراء البيئة والمياه يحذرون من التعامل مع الوضع الحالي بوصفه نهاية لأزمة المياه في سوريا.

فالمنطقة ما تزال تواجه تحديات مناخية كبيرة، كما أن استدامة الموارد المائية تتطلب خططا طويلة الأمد لإدارة السدود، وتحديث شبكات الري، والحد من الهدر والتلوث، إضافة إلى تعزيز التعاون الإقليمي بشأن تقاسم المياه.

ومع ذلك، يبقى مشهد المياه المتدفقة من سد الفرات حدثا استثنائيا أعاد للسوريين صورة نهر لطالما ارتبط بالحياة والخصب والاستقرار، بعد سنوات طويلة كان فيها الحديث يدور فقط عن الجفاف والعطش وتراجع المنسوب.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا