حرب الاستنزاف الطويلة: كيف تراهن موسكو على إنهاك كييف عبر تكتيك “الألف ضربة”؟

0
11

بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، تبدو خطوط التماس وكأنها ترسخت في مواقعها، لكن الجمود الظاهري يخفي وراءه واحدة من أكثر مراحل النزاع تعقيدًا واستنزافًا. فبدل المعارك الخاطفة أو الاختراقات الواسعة، باتت المواجهة تُدار عبر ضربات صغيرة ومتكررة، تصفها كييف بتكتيك “الألف عضّة”، في إشارة إلى استراتيجية روسية تقوم على الضغط المستمر والموزّع لإضعاف الدفاعات الأوكرانية تدريجيًا.

حرب الاستنزاف بدل الحسم السريع

منذ بداية التدخل العسكري الروسي في فبراير 2022، راهن كثيرون على معركة سريعة قد تُفضي إلى تغيير جذري في موازين القوى. غير أن تطورات الميدان، خصوصًا بعد معارك شرسة في الشرق والجنوب، أظهرت أن النزاع يتجه نحو حرب طويلة النفس. ومع تعثر الهجمات الواسعة النطاق، انتقلت موسكو إلى أسلوب يعتمد على عمليات محدودة لكنها دائمة، تستهدف مواقع متفرقة على طول الجبهة الممتدة مئات الكيلومترات.

هذا التكتيك لا يسعى إلى تحقيق اختراق كبير وفوري، بل إلى إنهاك القوات الأوكرانية عبر إرغامها على الانتشار المستمر، وسد الثغرات، والتعامل مع موجات متتابعة من الهجمات الصغيرة بالطائرات المسيّرة والمدفعية ووحدات المشاة. والهدف النهائي هو إنهاك القدرة الدفاعية وإضعاف الروح المعنوية على المدى الطويل.

“الألف عضّة”: فلسفة الضغط المتواصل

تقوم فكرة “الألف عضّة” على مبدأ بسيط: إذا لم تستطع كسر خصمك بضربة واحدة، فاستنزفه بضربات صغيرة لا تتوقف. في السياق الأوكراني، يعني ذلك استهداف الخطوط الأمامية بشكل دائم، مع قصف مستمر لمخازن الذخيرة ومراكز القيادة والبنية التحتية للطاقة.

الطائرات المسيّرة الانتحارية لعبت دورًا محوريًا في هذا الأسلوب، إلى جانب القصف المدفعي المكثف الذي يهدف إلى إبقاء القوات الأوكرانية في حالة استنفار دائم. كما تعتمد روسيا على تعبئة تدريجية للقوات، ما يسمح لها بتعويض الخسائر والحفاظ على زخم العمليات، حتى وإن كانت محدودة النطاق.

في المقابل، تجد أوكرانيا نفسها مضطرة لتوزيع مواردها المحدودة على جبهات متعددة، من دون أن تعرف أين يمكن أن تقع الضربة التالية. هذا التشتت يفرض عبئًا لوجستيًا وبشريًا كبيرًا، خاصة في ظل الحاجة المستمرة إلى الذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي.

تحديات الدفاع الأوكراني

تعتمد كييف بشكل كبير على الدعم العسكري الغربي، سواء من حيث الأسلحة المتطورة أو التدريب أو المعلومات الاستخباراتية. غير أن استمرار الحرب لأربع سنوات وضع هذا الدعم تحت ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة في الدول المانحة.

أنظمة الدفاع الجوي، التي كانت حاسمة في حماية المدن الأوكرانية من الضربات الصاروخية، تواجه تحديًا متناميًا مع تزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة. فكل عملية اعتراض تستهلك صاروخًا باهظ الثمن، بينما يمكن لروسيا إطلاق موجات من المسيّرات الأقل كلفة لإرهاق هذه الأنظمة.

كما أن طول أمد الحرب أثر على القوى البشرية الأوكرانية، مع الحاجة إلى تجنيد مستمر للحفاظ على عدد القوات في الخطوط الأمامية. ويزداد الأمر تعقيدًا مع تراجع الحماسة الشعبية في بعض المناطق، نتيجة الضغوط الاقتصادية والخسائر البشرية.

البعد الاقتصادي والاستراتيجي

لا يقتصر تكتيك الاستنزاف على الميدان العسكري، بل يمتد إلى المجال الاقتصادي. فاستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية يهدف إلى إضعاف الاقتصاد الأوكراني وإرهاق الحكومة في كييف ماليًا. كما تسعى موسكو إلى استغلال أي تباينات في المواقف داخل الدول الداعمة لأوكرانيا، على أمل أن يؤدي طول أمد النزاع إلى تآكل الدعم الدولي.

في المقابل، تحاول كييف إثبات قدرتها على الصمود، معتبرة أن الوقت ليس بالضرورة في صالح موسكو. فالعقوبات المفروضة على روسيا أثرت بدورها على الاقتصاد الروسي، رغم تكيفه الجزئي مع الظروف الجديدة.

حرب الإرادات

مع دخول الحرب عامها الخامس، يتضح أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح اختبارًا طويل الأمد للإرادة السياسية والقدرة الاقتصادية والتحمل المجتمعي. فكل طرف يسعى إلى إقناع الآخر بأن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التراجع.

تكتيك “الألف عضّة” يعكس قناعة روسية بأن النصر لا يتحقق بالضرورة عبر السيطرة السريعة على مساحات واسعة، بل عبر إنهاك الخصم تدريجيًا. وفي المقابل، تراهن أوكرانيا على أن صمودها المستمر، مدعومًا بتحالفاتها الدولية، سيجعل من هذا الاستنزاف سلاحًا ذا حدين.

في النهاية، تبدو الجبهة جامدة على الخريطة، لكنها في الواقع مسرح لحرب يومية منخفضة الوتيرة وعالية الكلفة. ومع استمرار هذا النمط من القتال، يبقى السؤال مفتوحًا: أي الطرفين يمتلك القدرة الأكبر على تحمّل “الألف عضّة” قبل أن تتغير موازين القوى بشكل حاسم؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا