إيران وواشنطن على حافة الاتفاق والتهديد بالحرب يتصاعد

0
0

ياسين الهاجراني – الدوحة

 

تدخل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة شديدة الحساسية، فبعد أشهر من الحرب والتصعيد العسكري المتبادل، تتواصل المفاوضات غير المباشرة عبر وساطة قطرية في محاولة لمنع جولة جديدة من القتال، بينما تترافق هذه الجهود مع تهديدات أمريكية متصاعدة وتحركات عسكرية إسرائيلية واسعة، وتقول طهران إن الاتصالات حققت تقدما لكنها لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي، في حين تؤكد واشنطن أن ملفات جوهرية لا تزال عالقة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ومستقبل تخصيب اليورانيوم وأمن الملاحة في مضيق هرمز، ومع استمرار هذا التباعد تبقى المنطقة بين احتمالين متناقضين، اتفاق سياسي ينهي المواجهة الحالية ويعيد فتح الممرات البحرية، أو عودة سريعة إلى عمليات عسكرية أوسع قد تمتد آثارها إلى أكثر من دولة في الشرق الأوسط

مفاوضات تتقدم من دون اتفاق نهائي

أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الاتصالات الجارية عبر الوسيط القطري تحقق تقدما، لكنه شدد على أن المفاوضات لم تصل إلى نتيجة نهائية، موضحا أن طهران تنتظر ردا من الطرف المقابل على المقترحات المطروحة، وتقول إيران إنها لا تجري مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة، بل تعتمد على قنوات الوساطة لنقل الرسائل والمقترحات بين الطرفين، فيما تشير تقارير دولية إلى أن المباحثات تشمل ترتيبات تتعلق بوقف القتال وفتح مضيق هرمز وإعادة تنظيم حركة الملاحة البحرية، إلى جانب الملف النووي والعقوبات، وقد استمرت اللقاءات بين المفاوضين الإيرانيين والوسطاء القطريين لعدة أيام متتالية في الدوحة، وسط اتصالات منتظمة مع واشنطن، وهو ما يعكس وجود مسار دبلوماسي فعلي رغم استمرار الخلافات الكبيرة بشأن شروط التسوية ومراحل تنفيذها

مضيق هرمز في قلب التفاوض

يبقى مضيق هرمز أحد أهم الملفات في أي تسوية محتملة، إذ تربط إيران إعادة الأمن الكامل إلى المضيق برفع ما تصفه بالحصار البحري وتنفيذ مطالبها، وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن المضيق لن يكون آمنا ما لم تتم الاستجابة لهذه الشروط، وإن المقترح الإيراني لا يزال مطروحا وإن الكرة باتت في ملعب واشنطن، وتشير تقارير إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يسمح بإعادة فتح المضيق بصورة كاملة خلال فترة قصيرة بعد التوصل إلى اتفاق، وهو ما يمنح هذا الملف أهمية اقتصادية عالمية، لأن جزءا كبيرا من صادرات النفط والغاز يمر عبر هذا الممر البحري، كما أن أي اضطراب فيه ينعكس فورا على أسعار الطاقة والتجارة الدولية

ترمب يلوح بـ”المطرقة” ويترك باب الدبلوماسية مفتوحا

في المقابل صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لهجته تجاه طهران، وقال إن الولايات المتحدة قد تضطر في مرحلة ما إلى توجيه ضربة قاسية لإيران إذا لم تؤد المفاوضات إلى النتيجة التي تريدها واشنطن، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه يفضل تجنب إزهاق الأرواح وإنهاء الحرب عبر مسار سياسي إذا كان ذلك ممكنا، كما أعلن إجراء اتصال مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تناول الملف الإيراني، وقال إن الحرب يمكن أن تنتهي قريبا، إلا أن هذه التصريحات جاءت بالتوازي مع مؤشرات على أن البيت الأبيض لا يزال يدرس خيارات عسكرية جديدة، ما يجعل الخطاب الأمريكي مزيجا من الضغط العسكري والإبقاء على باب التفاوض مفتوحا

الملف النووي يظل العقدة الأصعب

تصر الإدارة الأمريكية على أن أي اتفاق سياسي يجب أن يتضمن ترتيبات صارمة بشأن البرنامج النووي الإيراني، إذ يشترط البيت الأبيض وقف قدرات التخصيب وضمان عدم وصول إيران إلى سلاح نووي، بينما تتمسك طهران بحقها في برنامج نووي تقول إنه مخصص لأغراض سلمية، وتشير هذه الهوة إلى أن وقف القتال لا يعني بالضرورة حل الخلاف النووي بصورة كاملة، بل قد تكون التسوية المحتملة متعددة المراحل وتبدأ بخطوات لخفض التصعيد قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدا، كما أن الخلاف حول العقوبات الأمريكية ومستقبل المنشآت النووية الإيرانية ما يزال يمثل أحد أكبر العقبات أمام اتفاق شامل

إسرائيل تستعد لاحتمال استئناف الحرب

في موازاة المسار الدبلوماسي، رفعت إسرائيل مستوى جاهزيتها العسكرية تحسبا لاحتمال انهيار المفاوضات وتجدد الضربات ضد إيران، وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن سلاح الجو استكمل استعداداته الهجومية والدفاعية، كما وصلت خلال الفترة الأخيرة ذخائر وصواريخ اعتراضية من الولايات المتحدة وأوروبا إلى إسرائيل ودول أخرى في المنطقة، ضمن عملية لوجستية واسعة، وتقول مصادر إسرائيلية إن التنسيق الأمني مع وزارة الدفاع الأمريكية وصل إلى مستويات مرتفعة، وإن تل أبيب تتوقع الحصول على إنذار مسبق إذا اتخذت واشنطن قرارا باستئناف الهجمات، وهو ما يؤكد أن الخيار العسكري ما زال قائما بالتوازي مع المفاوضات

نتنياهو يضغط باتجاه خيار أكثر تشددا

نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمريكية وإسرائيلية أن ترمب أجرى محادثة مباشرة وحادة مع نتنياهو بشأن المفاوضات مع إيران، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي يدفع باتجاه موقف أكثر صرامة تجاه طهران، كما سبق لنتنياهو أن تحدث عن احتمال استئناف الحرب على إيران، ويرتبط الموقف الإسرائيلي بمخاوف من أن يؤدي أي اتفاق إلى إبقاء أجزاء من البنية النووية والصاروخية الإيرانية قائمة، في حين تفضل أطراف إقليمية أخرى إعطاء فرصة أكبر للمفاوضات خوفا من تداعيات حرب جديدة على دول الخليج وأسواق الطاقة والملاحة الدولية

تحذيرات أمريكية للحلفاء من احتمال عودة الضربات

بالتوازي مع التحركات السياسية، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مصادر أن الولايات المتحدة أبلغت حلفاء لها في المنطقة بضرورة الاستعداد لاحتمال عودة الضربات ضد إيران وما قد يتبعها من ردود إيرانية، وهو ما رفع مستوى التأهب في عدد من دول الشرق الأوسط، خصوصا أن التجربة السابقة أظهرت قدرة المواجهة على الانتقال بسرعة من ضربات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى هجمات على قواعد ومنشآت وممرات بحرية في دول مجاورة، وتقول دول خليجية إن الحل العسكري لا يوفر مخرجا سريعا للأزمة وإن أي جولة جديدة من الحرب قد تكون أكثر كلفة من سابقاتها

طهران: مستعدون للدبلوماسية كما للحرب

الخطاب الإيراني بدوره يجمع بين الاستعداد للتفاوض والتهديد برد عسكري واسع، إذ قال عراقجي إن بلاده مستعدة للدفاع كما هي مستعدة للدبلوماسية، وإن اختيار المسار المقبل يتوقف على ما وصفه بعقلانية واشنطن، كما سبق للقيادة الإيرانية أن حذرت من أن الرد على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي جديد لن تكون له حدود جغرافية، وهي رسالة تعني أن طهران قد تستهدف قواعد أو مصالح أمريكية وإسرائيلية خارج الأراضي الإيرانية إذا تعرضت لضربة، وتستخدم إيران هذا التهديد في الوقت نفسه كأداة ردع عسكرية وورقة ضغط على الوسطاء والدول الإقليمية المعنية بمنع تجدد الحرب

“جبل الفأس” يعود إلى واجهة الملف النووي

إحدى أكثر النقاط حساسية تتعلق بمنشأة تعرف باسم “جبل الفأس” قرب مجمع نطنز النووي، إذ تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن إيران أعادت تشغيل أنشطة لتخصيب اليورانيوم في هذه المنطقة شديدة التحصين، بينما يدور نقاش حول قدرة الولايات المتحدة على تدمير منشأة تقع على عمق كبير داخل الصخور، ووفق تقديرات عسكرية عرضتها الجزيرة فإن عمق الموقع قد يتراوح بين 80 و100 متر، وهو ما يجعل استهدافه بالقنابل الخارقة للتحصينات مهمة معقدة، وتبقى المعلومات المتعلقة بالنشاط داخل المنشأة وتقديرات قدرات تدميرها موضع جدل ولا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، غير أن عودة الحديث عنها تكشف مدى مركزية المنشآت النووية المحصنة في حسابات أي هجوم محتمل

حديث عن ضربة نووية يثير جدلا في الولايات المتحدة

زاد الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون من حدة الجدل بعدما حذر من احتمال استخدام سلاح نووي ضد منشأة إيرانية محصنة، وربط ذلك بضغوط إسرائيلية على الإدارة الأمريكية، وانتشرت تصريحاته على نطاق واسع، لكنها لا تمثل إعلانا رسميا عن خطة أمريكية ولا دليلا على أن قرارا باستخدام سلاح نووي قد اتخذ، بل تعكس مستوى القلق السياسي والإعلامي المحيط بالخيارات المطروحة ضد المنشآت الإيرانية، وفي المقابل لم تعلن الإدارة الأمريكية رسميا نيتها اللجوء إلى هذا النوع من الأسلحة، ولذلك يبقى الحديث عن سيناريو نووي في إطار مزاعم وتحليلات إعلامية وليس سياسة أمريكية معلنة

أسعار النفط تتحرك مع كل إشارة من الدوحة وواشنطن

انعكس المسار الدبلوماسي مباشرة على أسواق الطاقة، إذ انخفضت أسعار النفط بأكثر من 3% مع تزايد الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب ويقلل مخاطر تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتراجع خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل، بينما هبط خام غرب تكساس الأمريكي إلى ما يقارب 101 دولار، ومع ذلك تبقى الأسعار مرتفعة مقارنة بمستويات سابقة بسبب استمرار المخاوف من عودة القتال وتهديد إمدادات الطاقة، كما أن الأسواق باتت تستجيب بسرعة لأي تصريح يصدر عن واشنطن أو طهران أو الوسطاء القطريين بشأن مسار المفاوضات

قطر تحاول منع عودة المنطقة إلى الحرب المفتوحة

تؤدي الدوحة دورا مركزيا في الاتصالات الحالية، إذ تستضيف المفاوضين الإيرانيين وتنقل المواقف بين طهران وواشنطن، فيما تشارك دول أخرى في جهود خفض التصعيد، وقد تحولت الوساطة القطرية خلال الأشهر الماضية إلى إحدى القنوات الأساسية لإدارة الأزمة، خصوصا مع غياب الحوار المباشر بين الجانبين، وتعتبر دول خليجية أن التوصل إلى تسوية ليس مطلبا إيرانيا أو أمريكيا فقط، بل ضرورة إقليمية نظرا إلى أن أي حرب جديدة ستضع منشآت الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية والملاحة البحرية في المنطقة تحت تهديد مباشر

اتفاق محتمل أم جولة حرب جديدة؟

المشهد الحالي يحمل مفارقة واضحة، فالمفاوضات تبدو أكثر نشاطا من أي وقت مضى، لكنها تجري تحت تهديد عسكري متصاعد، وطهران تقول إن التقدم موجود لكن النتيجة لم تحسم، بينما ترفض واشنطن تقديم ضمانات بأن الخيار العسكري استبعد نهائيا، وإسرائيل تستعد لسيناريو استئناف القتال، وفي الوقت نفسه تضغط دول الخليج لمنع انهيار المسار الدبلوماسي، ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستتوقف بصورة كبيرة على قدرة الوسطاء على تحويل التقدم الفني في المفاوضات إلى تفاهم سياسي واضح بشأن الملف النووي والعقوبات ومضيق هرمز ووقف العمليات العسكرية، أما فشل هذه الجهود فقد يعيد المنطقة إلى مواجهة أوسع وأكثر صعوبة في الاحتواء من الجولات السابقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا