الجزائر تتجه إلى نشر قوات في النيجر لحماية مصالحها الإستراتيجية

0
1

سمير بردوشات – الجزائر

 

تستعد الجزائر لفتح صفحة جديدة في سياستها العسكرية، بعد موافقة البرلمان على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، في خطوة ترتبط بحماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة، وتعكس تنامي المخاوف الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي.

ويأتي القرار في سياق تحولات إقليمية متسارعة، مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في النيجر، وتراجع الوجود العسكري الغربي، وسعي الجزائر إلى تعزيز أمن حدودها الجنوبية وحماية استثماراتها الإستراتيجية.

موافقة برلمانية وانتشار استثنائي

صوّت مجلس الأمة الجزائري، الأحد 25 أكتوبر/تشرين الأول، بالإجماع على قرار إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، عقب موافقة المجلس الشعبي الوطني.

ويستند الإجراء إلى المادة 91 من الدستور الجزائري، التي تجيز إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد الحصول على موافقة أغلبية ثلثي أعضاء غرفتي البرلمان.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى العقيدة الدفاعية الجزائرية، التي ارتبطت تاريخياً بحماية الحدود وعدم التدخل العسكري خارج الأراضي الوطنية.

فمنذ مشاركة القوات الجزائرية في حرب أكتوبر عام 1973، لم تشهد البلاد انتشاراً رسمياً مماثلاً لوحدات من جيشها خارج الحدود، وفق التقارير المنشورة عن القرار.

النفط في قلب المهمة

تحتل المنشآت الطاقوية موقعاً محورياً في التحرك الجزائري، إذ تشير المعلومات المتداولة إلى أن القوات المنتظر نشرها ستتولى حماية منشآت نفطية في النيجر.

وتبرز في هذا السياق أنشطة شركة سوناطراك الجزائرية في قطاع الاستكشاف النفطي، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر.

وتنظر الجزائر إلى هذه المشاريع باعتبارها جزءاً من مصالحها الاقتصادية طويلة الأمد، فضلاً عن دورها المحتمل في تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة.

غير أن حماية المنشآت الحيوية في منطقة تشهد هجمات مسلحة متكررة تفرض تحديات أمنية ولوجستية، خصوصاً مع اتساع الأراضي النيجرية وصعوبة مراقبة بعض المناطق الحدودية.

تحديات أمنية على الحدود الجنوبية

تتقاسم الجزائر والنيجر حدوداً صحراوية طويلة، تشكل جزءاً من فضاء إقليمي تتداخل فيه حركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتوترات السياسية.

وتزايدت المخاوف الأمنية عقب التطورات التي شهدتها العاصمة نيامي في أغسطس/آب الماضي، عندما أعلنت السلطات النيجرية إحباط تحرك عسكري استهدف مواقع إستراتيجية.

وكانت الجزائر قد أرسلت أربع مقاتلات من طراز سوخوي سو-30 إلى نيامي في نهاية أغسطس، في إطار التطورات الأمنية التي شهدتها البلاد.

ويمنح الانتشار العسكري الجديد الجزائر إمكانية تعزيز التنسيق الميداني مع السلطات النيجرية، لكنه يضع قواتها أيضاً أمام بيئة أمنية تختلف عن مهام حماية الحدود داخل الأراضي الوطنية.

تحولات في منطقة الساحل

يتزامن القرار الجزائري مع إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في الساحل الأفريقي، بعد انسحاب قوات فرنسية وأمريكية وألمانية من المنطقة.

ويرى محللون أن هذا الانسحاب أوجد فراغاً أمنياً تسعى قوى إقليمية إلى التعامل مع تداعياته، خصوصاً في ظل استمرار الهجمات المسلحة وضعف السيطرة الحكومية على بعض المناطق.

وتحاول الجزائر، من خلال توسيع تعاونها العسكري مع النيجر، تعزيز حضورها في محيطها الجنوبي، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية ومنع انتقال التهديدات إلى أراضيها.

لكن هذا التحرك يحمل تحديات إضافية، تتعلق بحدود المهمة العسكرية وطبيعة التنسيق مع نيامي، ومدى قدرة الانتشار على تحقيق أهدافه دون الانخراط في مواجهات مفتوحة.

مرحلة جديدة في السياسة الدفاعية

يمثل القرار اختباراً عملياً للتعديل الدستوري الذي أقرته الجزائر عام 2020، وفتح المجال أمام مشاركة الجيش في مهمات خارج الحدود وفق شروط محددة.

كما يعكس تحولاً في التعامل مع التهديدات الأمنية، من التركيز على حماية الأراضي الوطنية إلى إمكانية تأمين المصالح الإستراتيجية خارجها.

وبين ضرورات حماية الحدود والاستثمارات، وتعقيدات المشهد الأمني في الساحل، تدخل الجزائر مرحلة جديدة في إدارة أمنها الإقليمي، تتجاوز فيها أدوات الدبلوماسية التقليدية إلى حضور عسكري مباشر، ضمن مهمة ستتحدد أهميتها بحجم الانتشار وطبيعته ونتائجه على الأرض.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا