دانا البلور – عمّان
لم يكن مبنى مهجور في بلدة الجديدة بمحافظة الكرك جنوبي الأردن يلفت أنظار السكان، رغم ارتفاعه وسط حي سكني تحيط به أشجار الزيتون. لكن المنزل الذي ظل خالياً من قاطنيه نحو عشر سنوات، تحوّل إلى مسرح لعملية أمنية انتهت باعتقال ثلاثة متهمين بتنفيذ الهجوم الدامي على كنيسة في قرية حمود.
على مسافة تقل عن خمسة كيلومترات من موقع الهجوم، اختبأ المشتبه بهم داخل المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق، بينما كانت الأجهزة الأمنية الأردنية تواصل عمليات البحث والملاحقة التي استمرت نحو ستين ساعة.
انتهت المطاردة فجر الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد اشتباكات مسلحة استمرت ثلاث ساعات، وأسفرت عن اعتقال المتهمين الثلاثة مصابين، وفق السلطات الأردنية.
عشر سنوات من الهجر
تعود قصة المنزل إلى نحو عقد من الزمن، عندما غادره سكانه بسبب ما يُعرف محلياً بـ«الجلوة العشائرية»، وهي ممارسة اجتماعية تقوم على إبعاد أقارب أحد أطراف نزاع عشائري عن منطقة سكن الطرف الآخر، بهدف تجنب المواجهات.
منذ ذلك الحين، بقي المبنى بلا سكان، وأصبح جزءاً مألوفاً من المشهد اليومي لأهالي بلدة الجديدة.
يقع المنزل بالقرب من مدرسة وملعب لكرة القدم، وسط منطقة سكنية لم يكن سكانها يتوقعون أن تتحول إلى مركز لعملية أمنية واسعة.
وبحسب شهادات نقلتها الجزيرة نت عن سكان الحي، لم تظهر خلال فترة اختباء المشتبه بهم أي تحركات غير اعتيادية داخل المبنى، كما لم تُلاحظ أضواء أو أصوات تكشف وجود أشخاص فيه.
من هجوم الكنيسة إلى الملاحقة
بدأت الأحداث الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، عندما تعرض المشاركون في مراسم جنازة بكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود لإطلاق نار.
أسفر الهجوم، وفق الحصيلة الرسمية الأردنية، عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، ما دفع السلطات إلى إعلان الحداد العام وبدء عمليات أمنية مكثفة لتعقب المهاجمين.
امتدت عمليات البحث إلى قرى ومناطق جبلية وأودية في محافظة الكرك، بمشاركة وحدات أمنية متخصصة واستخدام وسائل مراقبة وطائرات مسيّرة.
وبعد تحديد نطاق البحث، ركزت الأجهزة الأمنية جهودها على المباني المهجورة التي يُحتمل أن يستخدمها الفارون للاختباء.

ثلاث ساعات من الاشتباكات
خلال الساعات الأولى من صباح الاثنين، حاصرت قوة أمنية المنزل في بلدة الجديدة، بعدما توصلت إلى معلومات تشير إلى وجود المطلوبين داخله.
ووفق الرواية الرسمية، طلبت القوة من المتحصنين تسليم أنفسهم، لكنهم بادروا بإطلاق النار، لتندلع مواجهة استمرت نحو ثلاث ساعات.
انتهت العملية باقتحام المبنى واعتقال الرجال الثلاثة بعد إصابتهم، فيما أعلنت السلطات عدم تسجيل إصابات في صفوف القوة الأمنية.
وضبطت الأجهزة الأمنية أسلحة نارية وكميات من الذخيرة داخل المنزل، الذي ظهرت على جدرانه آثار كثيفة للرصاص بعد انتهاء الاشتباكات.
هوية المتهمين وخلفيات الهجوم
أعلن مدير الأمن العام الأردني اللواء عبيد الله المعايطة أن الموقوفين هم الشقيقان هزاع ومشعل زيدان محمد، ونسيبهما أحمد سامي حسين.
ووصف المعايطة هزاع بأنه العقل المدبر للهجوم، مشيراً إلى أن الثلاثة يحملون أفكاراً تكفيرية متطرفة، وأن التحقيقات الأولية لم تكشف ارتباطهم بخلايا أخرى.
وأوضح المسؤول الأمني أن قرار استهداف المشاركين في الجنازة اتُّخذ بصورة لحظية، دون تخطيط مسبق للهجوم على الكنيسة، بحسب ما توصلت إليه التحقيقات حتى الآن.
من جانبه، أكد وزير الداخلية مازن الفراية استمرار التحقيقات لكشف جميع ملابسات الجريمة وتحديد ما إذا كان أشخاص آخرون قد قدموا مساعدة أو تسهيلات للمنفذين.
بلدة تستعيد هدوءها
بالنسبة إلى سكان بلدة الجديدة، لم تكن العملية الأمنية مجرد نهاية لمطاردة استمرت أياماً، بل كشفت أن المطلوبين كانوا يختبئون على مسافة قصيرة من منازلهم، داخل مبنى اعتادوا المرور بجانبه دون اهتمام.
تحولت جدران المنزل المهجور، التي تحمل اليوم آثار الاشتباكات، إلى شاهد على واحدة من أبرز العمليات الأمنية التي شهدتها محافظة الكرك.
ومع انتهاء المداهمة واعتقال المتهمين، تنتقل القضية إلى مرحلة التحقيقات القضائية والأمنية، بينما لا تزال تداعيات الهجوم على الكنيسة حاضرة في الأردن، بعد سقوط تسعة قتلى وعشرات المصابين.



