واشنطن تدرس ضرب إيران وسط مخاوف من تصعيد إقليمي

0
0

ب-ف / باريس

 

تتصاعد المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تقارير أمريكية تتحدث عن إعداد خطط لاستهداف منشآت نووية ومرافق نفطية إيرانية، بالتزامن مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. وبين احتمالات توجيه ضربة عسكرية عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية واستمرار الضغوط السياسية على طهران، تتزايد التساؤلات بشأن أهداف الرئيس دونالد ترمب وحدود التصعيد المحتمل وتداعياته على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.

تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة من الترقب، مع تواتر معلومات بشأن تحركات عسكرية أمريكية وإسرائيلية قد تمهد لعمليات تستهدف مواقع إستراتيجية داخل الأراضي الإيرانية.

تأتي هذه التطورات في وقت لم تتضح فيه بعد طبيعة القرار الذي قد يتخذه البيت الأبيض، وسط تقديرات متباينة بشأن ما إذا كانت الاستعدادات العسكرية تعكس توجهاً فعلياً نحو استئناف الضربات، أم أنها تهدف إلى زيادة الضغط على إيران وانتزاع تنازلات في الملف النووي.

تسلط التقارير الأخيرة الضوء على احتمال توسيع نطاق الأهداف العسكرية لتشمل منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى مواقع حيوية في قطاع الطاقة والمناطق القريبة من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.

خطط عسكرية تنتظر القرار السياسي

تشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن وزارة الدفاع وضعت تصورات لعمليات عسكرية جديدة ضد إيران، في إطار استعداداتها لمختلف السيناريوهات المحتملة.

تتضمن هذه الخطط، وفق المعلومات المتداولة، توجيه ضربات مركزة إلى مواقع يصعب الوصول إليها، بينها أنفاق ومداخل منشآت نووية محصنة داخل مناطق جبلية.

غير أن إعداد الخطط العسكرية لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بتنفيذها، إذ تحتفظ الإدارة الأمريكية بخيارات متعددة تشمل التصعيد العسكري والضغط الدبلوماسي واستمرار المفاوضات.

في هذا السياق، يرى مسؤولون أمريكيون سابقون أن تعزيز القوات في المنطقة يمنح الرئيس ترمب هامشاً أوسع للمناورة، سواء اختار استخدام القوة أو توظيف التهديد العسكري لتحسين موقع واشنطن التفاوضي.

ما بعد الانتخابات الأمريكية

يرتبط أحد أبرز السيناريوهات المطروحة بانتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل.

يرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية قد تفضل تأجيل أي عملية عسكرية واسعة إلى ما بعد الاستحقاق الانتخابي، لتجنب التداعيات السياسية والاقتصادية التي قد تترتب على اندلاع مواجهة جديدة قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.

لكن هذا الاحتمال لا يستبعد اتخاذ قرار مبكر إذا طرأت تطورات ميدانية اعتبرتها واشنطن تهديداً مباشراً لمصالحها أو لقواتها المنتشرة في المنطقة.

حذر مايكل مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق، من ارتفاع احتمالات التصعيد بعد الانتخابات، مشيراً إلى أن تعزيز الوجود العسكري يوفر خيارات إضافية للرئيس الأمريكي.

في المقابل، اعتبر أن تسريب تفاصيل الخطط العسكرية قد يكون جزءاً من إستراتيجية ضغط تهدف إلى دفع طهران نحو مراجعة مواقفها، من دون أن يعني ذلك حتمية تنفيذ هجوم.

المنشآت النووية في صدارة الأهداف

يظل البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز محاور الخلاف بين واشنطن وطهران، في ظل استمرار التباين بشأن تخصيب اليورانيوم ومخزون المواد النووية وآليات الرقابة الدولية.

تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على ضمانات تمنع إيران من تطوير سلاح نووي، بينما تؤكد طهران أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية وتتمسك بحقها في استخدام الطاقة النووية.

بحسب تقارير أمريكية، تشمل الأهداف المحتملة منشآت وأنفاقاً تقع داخل مناطق جبلية، بينها موقع يُعرف باسم «بيك آكس»، تعتقد واشنطن وتل أبيب أنه يرتبط بأنشطة نووية إيرانية.

يمثل استهداف المواقع المحصنة تحدياً عسكرياً خاصاً، نظراً إلى طبيعة المنشآت الواقعة تحت الأرض والحاجة إلى استخدام قدرات هجومية متخصصة.

سبق أن ألمح ترمب إلى إمكانية تنفيذ ضربات إضافية ضد المنشآت النووية الإيرانية، مع تأكيده استبعاد استخدام الأسلحة النووية الأمريكية في هذه العمليات.

تبقى فعالية أي ضربات محتملة موضع تساؤل، خصوصاً أن تدمير المنشآت المادية لا يضمن بالضرورة إنهاء المعرفة التقنية أو القدرات البشرية المرتبطة بالبرنامج النووي.

جزيرتا خارك وقشم في الحسابات العسكرية

لا تقتصر السيناريوهات المتداولة على المواقع النووية، بل تشمل أيضاً أهدافاً إستراتيجية مرتبطة بالطاقة والملاحة البحرية.

تحتل جزيرة خارك موقعاً بالغ الأهمية في قطاع النفط الإيراني، نظراً إلى دورها الرئيسي في تصدير الخام إلى الأسواق الخارجية.

أما جزيرة قشم، الواقعة بالقرب من مضيق هرمز، فتكتسب أهمية جغرافية وعسكرية بسبب موقعها عند أحد الممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم.

قد يؤدي استهداف هذه المواقع إلى تداعيات تتجاوز الأراضي الإيرانية، سواء على مستوى تدفقات النفط أو حركة الملاحة التجارية أو أمن المنشآت البحرية في المنطقة.

كما يمكن أن يدفع أي هجوم على البنية التحتية للطاقة إلى رد إيراني يستهدف مصالح أمريكية أو منشآت حيوية في المنطقة، وهو سيناريو يثير قلق الدول المعتمدة على استقرار إمدادات الطاقة.

حشد عسكري أمريكي في المنطقة

تتزامن التقارير بشأن الأهداف المحتملة مع تحركات لتعزيز القدرات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.

بحسب المعلومات التي أوردتها تقارير إعلامية، يشمل الحشد ثلاث حاملات طائرات وآلافاً من عناصر مشاة البحرية الأمريكية، مع توقع اكتمال انتشار بعض هذه القوات بحلول مطلع نوفمبر.

يشير هذا الانتشار إلى سعي واشنطن لتوفير قدرات عسكرية تسمح بتنفيذ عمليات جوية وبحرية، فضلاً عن حماية قواتها ومصالحها في حال اتساع المواجهة.

كما ترددت معلومات عن تدريبات جوية أمريكية وإسرائيلية وتحركات لمقاتلات إسرائيلية قرب المجال الجوي الإيراني.

لكن طبيعة هذه التحركات لا تكفي وحدها للجزم بوجود قرار نهائي بشن هجوم، خصوصاً أن الاستعدادات العسكرية قد تُستخدم أيضاً لأغراض الردع وإظهار القوة.

إسرائيل بين الحسابات العسكرية والانتخابية

تحتل إسرائيل موقعاً مهماً في حسابات التصعيد المحتمل، في ظل التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني والتهديدات الإقليمية.

تحدثت تقارير عن رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في توجيه ضربة جديدة لإيران، لكن نتنياهو نفى صحة بعض الروايات المتعلقة بمحادثاته مع ترمب بشأن توقيت الهجوم.

يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن الحسابات الانتخابية تؤثر في توقيت أي تحرك عسكري، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

كما يشير إلى وجود تحفظات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على توقيت الحرب، رغم استمرار الاستعدادات لمواجهة محتملة.

يعكس هذا التباين تعقيد القرار العسكري، الذي لا يرتبط فقط بتقدير القدرات الإيرانية، بل يتأثر أيضاً بالاعتبارات السياسية الداخلية والعلاقات مع واشنطن.

طهران أمام خيارات الرد

تواجه إيران بدورها معادلة معقدة تجمع بين المحافظة على قدراتها العسكرية والاقتصادية، وتجنب الانجرار إلى مواجهة أوسع قد تستهدف منشآتها الحيوية.

تؤكد السلطات الإيرانية تمسكها بمواقفها بشأن البرنامج النووي، فيما تتواصل الخلافات مع واشنطن حول شروط أي اتفاق جديد.

بحسب تقارير أمريكية، تدرس طهران خيارات للرد على أي هجمات جديدة، قد تشمل توسيع نطاق الأهداف التي يمكن استهدافها في المنطقة.

تثير هذه الاحتمالات مخاوف من انتقال المواجهة من ضربات محدودة إلى صراع أوسع يطال البنية التحتية للطاقة والملاحة والتجارة.

كما أن اتساع العمليات العسكرية قد يزيد صعوبة العودة إلى المفاوضات، في ظل تراجع الثقة بين الأطراف المعنية.

النفط ومضيق هرمز.. تداعيات تتجاوز المنطقة

يمثل قطاع الطاقة أحد أكثر الملفات حساسية في السيناريوهات العسكرية المطروحة.

فأي استهداف لمنشآت تصدير النفط الإيرانية، أو اضطراب إضافي في الملاحة عبر مضيق هرمز، قد ينعكس على أسعار الخام وتكاليف النقل والتأمين البحري.

تكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، الذي يتأثر بتقلبات أسعار الطاقة، ولا سيما في الدول المستوردة للنفط والغاز.

لكن استهداف البنية التحتية النفطية ليس خياراً محسومًا داخل الإدارة الأمريكية. فقد أشارت تقارير إلى أن بعض المسؤولين يفضلون تجنب ضرب هذه المنشآت خشية ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.

يضع ذلك ترمب أمام مفاضلة بين ممارسة أقصى ضغط عسكري واقتصادي على إيران، وتجنب تداعيات قد تنعكس سلباً على المستهلك الأمريكي والأسواق الدولية.

التصعيد أم العودة إلى التفاوض؟

على الرغم من كثافة التحركات العسكرية، لا يزال المسار الدبلوماسي أحد الخيارات المطروحة أمام واشنطن وطهران.

تتمحور الخلافات حول مستقبل تخصيب اليورانيوم، والضمانات المطلوبة لمنع تطوير أسلحة نووية، وآليات الرقابة الدولية، إلى جانب الترتيبات الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز.

قد تستخدم واشنطن التهديد بضربات جديدة لتحسين شروط التفاوض، بينما ترى طهران أن التهديد العسكري يضعف فرص التوصل إلى تفاهم مستدام.

يبقى التحدي الأساسي في إيجاد صيغة تسمح بتقليص المخاطر الأمنية من دون دفع الطرفين إلى جولة أخرى من المواجهة.

قرار لم يُحسم بعد

تؤكد التطورات الأخيرة أن الاستعدادات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية بلغت مستوى متقدماً، وفق التقارير المنشورة، لكن ذلك لا يعني أن موعد الهجوم قد تحدد أو أن قرار تنفيذه أصبح نهائياً.

تتداخل في حسابات ترمب اعتبارات متعددة، تشمل الانتخابات الأمريكية، والملف النووي الإيراني، وأمن إسرائيل، واستقرار أسواق الطاقة، واحتمالات الرد الإيراني.

تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأمريكية واستمرار تعزيز القوات في الشرق الأوسط.

وبين خيار الضربة العسكرية واستخدام القوة وسيلة للضغط التفاوضي، تبقى المنطقة أمام مرحلة من عدم اليقين، فيما قد تتجاوز تداعيات أي قرار عسكري جديد حدود إيران لتطال الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا