ب-ف / م-رميتة – وهران
تستعد مدينة وهران الجزائرية لاستقبال الدورة الرابعة عشرة من مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي، المقررة من 18 إلى 24 ديسمبر 2026، في موعد ثقافي يتطلع إلى جمع أبرز التجارب السينمائية العربية، وفتح آفاق جديدة أمام المخرجين والمنتجين والمواهب الشابة. وبين عروض الأفلام والمسابقات الرسمية والورش المهنية، تسعى التظاهرة إلى تعزيز مكانتها في المشهد السينمائي العربي، وتحويل المدينة المتوسطية إلى فضاء للحوار والإبداع والتبادل الثقافي.
على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، حيث تتداخل الذاكرة التاريخية مع ملامح مدينة عرفت بانفتاحها الثقافي وتنوعها الفني، تستعد وهران لاستعادة أجواء السينما العربية من خلال دورة جديدة من مهرجانها الدولي، الذي أصبح أحد المواعيد الثقافية المخصصة للاحتفاء بالإنتاج السينمائي العربي في الجزائر.
لا يتعلق الأمر بمجرد تظاهرة تعرض أفلاماً وتوزع جوائز على الفائزين، بل بمشروع ثقافي يسعى إلى بناء جسور بين صناع الصورة في العالم العربي، وإتاحة مساحة للقاء بين الأجيال السينمائية المختلفة، من المخرجين أصحاب التجارب الطويلة إلى المواهب التي تبحث عن فرصتها الأولى في عالم الفن السابع.
تأتي الدورة الرابعة عشرة في مرحلة تشهد فيها السينما العربية تحولات متسارعة، سواء على مستوى الموضوعات التي تتناولها الأفلام أو أساليب الإنتاج والتوزيع والعرض، مع تزايد حضور المنصات الرقمية وتغير عادات الجمهور.
تمنح هذه التحولات المهرجانات السينمائية دوراً يتجاوز الاحتفاء بالأعمال المنجزة، لتصبح فضاءات للنقاش حول مستقبل الصناعة، ودعم المشاريع الجديدة، وتبادل الخبرات بين المنتجين والمخرجين والنقاد.
في هذا السياق، يراهن مهرجان وهران على توسيع حضوره الثقافي والمهني، مستفيداً من موقع الجزائر الجغرافي وصلاتها التاريخية والثقافية بالعالمين العربي والمتوسطي.
من التأسيس إلى ترسيخ الحضور السينمائي
تعود نشأة مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي إلى عام 2007، حين تأسس بموجب قرار وزاري صدر في الرابع من يوليو، ليكون تظاهرة ثقافية دولية مخصصة للسينما العربية.
جاء تأسيس المهرجان استجابة للحاجة إلى فضاء يجمع السينمائيين العرب، ويسمح بعرض إنتاجاتهم ومناقشة تجاربهم الفنية، بعيداً عن الاعتبارات التجارية التي تتحكم في جانب من سوق التوزيع السينمائي.
منذ انطلاقته، ارتبط المهرجان بمدينة وهران، التي تمتلك رصيداً ثقافياً وفنياً متنوعاً، جعلها بيئة مناسبة لاستضافة لقاءات تجمع بين السينما والموسيقى والمسرح والأدب.
شهدت مسيرة التظاهرة دورات متعاقبة تخللتها فترات توقف، قبل أن تستعيد نشاطها وتواصل العمل على تثبيت حضورها ضمن خريطة المهرجانات العربية.
ساهمت هذه الدورات في التعريف بأعمال سينمائية من بلدان مختلفة، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور الجزائري لمتابعة تجارب قد لا تجد طريقها بسهولة إلى قاعات العرض التجارية.
كما أتاحت للمخرجين والمنتجين فرصاً للتواصل مع زملائهم، ومناقشة قضايا الإنتاج والتمويل والتوزيع، وهي تحديات لا تزال تواجه السينما العربية بدرجات متفاوتة.

العربي لكحل على رأس المهرجان.. إدارة جديدة ورؤية متجددة
تستقبل الدورة الرابعة عشرة من مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي مرحلة تنظيمية جديدة، عقب تعيين المخرج السينمائي العربي لكحل محافظاً للتظاهرة، في إطار تغييرات أعلنتها وزارة الثقافة والفنون الجزائرية وشملت مسؤولي عدد من الفعاليات الثقافية الكبرى. يأتي هذا التعيين في سياق توجه رسمي يرمي إلى تعزيز مكانة السينما بوصفها فضاءً للتلاقي الفني والتبادل الثقافي، ودعم الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى ترقية الإبداع. يتولى لكحل قيادة مهرجان تأسس عام 2007، واضطلع منذ انطلاقته بدور في التعريف بالإنتاج السينمائي الجزائري والعربي. تضع هذه المسؤولية الإدارة الجديدة أمام تحديات تتعلق بتطوير البرمجة الفنية، وتوسيع الشراكات المهنية، واستقطاب المواهب الشابة، وتعزيز حضور وهران على خريطة المهرجانات السينمائية العربية. كما تفتح الدورة المقبلة المجال أمام اختبار قدرة الإدارة الجديدة على تحويل هذه الطموحات إلى مبادرات ملموسة، تمنح التظاهرة زخماً إضافياً وتكرس مكانة المدينة باعتبارها ملتقى لصناع السينما وجمهورها.
وهران.. مدينة تمنح المهرجان هويته
يصعب فصل مهرجان وهران عن المدينة التي تحتضنه، فالعاصمة الغربية للجزائر ليست مجرد موقع جغرافي لاستقبال العروض والضيوف، بل عنصر أساسي في هوية التظاهرة.
تتميز وهران بتاريخ حضري وثقافي متعدد التأثيرات، وبموقع استراتيجي على البحر المتوسط، جعلها عبر مراحل مختلفة نقطة التقاء بين ثقافات وتجارب إنسانية متنوعة.
تحتفظ المدينة بمعالم معمارية وتاريخية بارزة، من واجهتها البحرية إلى أحيائها القديمة، مروراً بفضاءاتها الثقافية التي تعكس جانباً من الذاكرة الجزائرية.
ارتبط اسم وهران كذلك بموسيقى الراي التي تجاوزت الحدود الجزائرية، وأسهمت في التعريف بالمدينة على المستوى الدولي.
تمنح هذه الخصوصية الثقافية المهرجان فرصة لتقديم تجربة لا تقتصر على مشاهدة الأفلام، بل تشمل اكتشاف المدينة وتاريخها وفنونها، بما يعزز العلاقة بين النشاط السينمائي والسياحة الثقافية.
يمكن لهذا الارتباط أن يشكل رافعة اقتصادية وثقافية إذا جرى توظيفه ضمن رؤية طويلة المدى، تقوم على إشراك المؤسسات المحلية والفضاءات الثقافية والجامعات والمهنيين في أنشطة المهرجان.

الدورة الرابعة عشرة.. موعد جديد في ديسمبر
تُقام الطبعة الرابعة عشرة من مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 24 ديسمبر 2026، تحت إشراف وزارة الثقافة والفنون الجزائرية.
تتواصل التحضيرات لاستقبال أفلام عربية في مختلف الأنواع السينمائية، إلى جانب تنظيم لقاءات مهنية وفعاليات ثقافية ترافق العروض الرسمية.
اعتمدت إدارة المهرجان ثلاث مسابقات رئيسية، تشمل الأفلام الروائية الطويلة، والأفلام الوثائقية، والأفلام الروائية القصيرة.
فُتح باب استقبال طلبات المشاركة في الثلاثين من أغسطس، واستمر إلى غاية الثلاثين من سبتمبر 2026، مع اشتراط أن تكون الأعمال المقدمة من إنتاج عامي 2025 و2026.
يعكس هذا الشرط اهتمام المهرجان بالأعمال الحديثة، بما يسمح للجمهور والمهنيين بالتعرف إلى اتجاهات الإنتاج السينمائي العربي خلال الفترة الأخيرة.
تنتظر الأوساط السينمائية الإعلان عن القائمة النهائية للأفلام المختارة، وأسماء لجان التحكيم والضيوف والتكريمات، باعتبارها عناصر أساسية في تحديد الملامح الفنية للدورة المقبلة.
ثلاث مسابقات تعكس تنوع السينما العربية
تشكل المسابقات الرسمية العمود الفقري للبرنامج السينمائي، إذ تمنح الأعمال المختارة فرصة التنافس والتعريف بها أمام الجمهور والنقاد والمهنيين.
تستقطب مسابقة الأفلام الروائية الطويلة أعمالاً تعتمد السرد الدرامي لمعالجة موضوعات إنسانية واجتماعية وتاريخية وسياسية، وتتيح للمخرجين تقديم رؤاهم الفنية من خلال بناء الشخصيات والحبكات والأساليب البصرية.
أما مسابقة الأفلام الوثائقية، فتفتح المجال أمام السينما التي تنطلق من الواقع، وتتناول قضايا الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية والتاريخية، فضلاً عن التجارب الشخصية والجماعية.
تكتسب الأفلام الوثائقية أهمية متزايدة في المنطقة العربية، بالنظر إلى قدرتها على توثيق التحولات الكبرى وتقديم روايات إنسانية قد تغيب عن التغطيات الإعلامية التقليدية.
في المقابل، تمنح مسابقة الأفلام الروائية القصيرة مساحة للمخرجين الشباب وأصحاب التجارب الأولى، الذين يجدون في هذا الشكل السينمائي فرصة لاختبار أدواتهم الإبداعية وتطوير لغتهم البصرية.
تمثل هذه الفئة مدخلاً مهماً لاكتشاف المواهب، خصوصاً أن الفيلم القصير لا يتطلب عادة الموارد المالية نفسها التي تحتاج إليها الأعمال الطويلة.
يسمح الجمع بين هذه المسابقات بتقديم صورة أكثر تنوعاً عن الإنتاج السينمائي العربي، بعيداً عن حصر الاهتمام في الأفلام التجارية أو الأسماء المعروفة.
«باستا سينما».. خطوة نحو صناعة الأفلام
تتميز التحضيرات للدورة الرابعة عشرة بإطلاق برنامج مهني جديد يحمل اسم «BASTA CINEMA»، مخصص لتطوير المشاريع السينمائية الجزائرية ومرافقة أصحابها خلال مراحل الإعداد.
يمثل البرنامج محاولة للانتقال من الاكتفاء بعرض الأفلام المنجزة إلى المساهمة في تطوير أعمال مستقبلية، عبر توفير فضاء للتكوين والإرشاد والتواصل المهني.
يركز البرنامج في نسخته الأولى على مرافقة سبعة مشاريع سينمائية جزائرية، تشمل الأفلام الروائية والوثائقية وأفلام التحريك.
يتيح للمشاركين العمل على تطوير أفكارهم وصياغة رؤاهم الإبداعية، وصولاً إلى إعداد عروض احترافية لمشاريعهم أمام لجنة دولية تضم مختصين في صناعة السينما.
تُقام فعاليات البرنامج من 19 إلى 24 ديسمبر 2026، بالتزامن مع أيام المهرجان، فيما حُدد 31 أكتوبر آخر موعد للتسجيل.
تكتسب المبادرة أهمية خاصة بالنسبة إلى المخرجين والمنتجين الشباب، الذين يواجهون غالباً صعوبات في تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
تتعلق هذه الصعوبات بكتابة السيناريو وإعداد الملفات الفنية والمالية، والبحث عن شركاء للإنتاج، فضلاً عن اكتساب الخبرة اللازمة لتقديم المشاريع أمام المؤسسات الداعمة والممولين.
يسعى «باستا سينما» إلى معالجة جانب من هذه التحديات من خلال توفير المرافقة المهنية، وهو ما قد يمنح المهرجان دوراً أكثر فاعلية في تطوير الصناعة السينمائية الجزائرية.
يمثل نجاح البرنامج فرصة لتوسيع التجربة مستقبلاً، وربما فتحها أمام مشاريع عربية مشتركة، إذا توفرت الشراكات والموارد اللازمة لذلك.

الدورة السابقة.. أفلام عربية وتكريمات فنية
تشكل نتائج الدورة الثالثة عشرة نقطة انطلاق مهمة لفهم التوجه الفني الذي يسعى المهرجان إلى تطويره خلال طبعته المقبلة.
شهدت الدورة السابقة عرض 63 عملاً سينمائياً، منها 34 في المسابقات الرسمية، في مشاركة عكست تنوع التجارب القادمة من بلدان عربية مختلفة.
حصد الفيلم العراقي «أناشيد آدم» للمخرج عدي رشيد جائزة الوهر الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل، فيما نال الفيلم المصري «المستعمرة» الوهر الفضي، وحصل الفيلم الصومالي «سامية» على الوهر البرونزي.
على مستوى الأداء التمثيلي، نالت الممثلة الفلسطينية كلارا خوري جائزة أفضل ممثلة، فيما حصل الممثل التونسي محمد أمين على جائزة أفضل ممثل.
تعكس هذه النتائج تنوع المدارس السينمائية التي حضرت في المنافسة، من التجربة العراقية إلى المصرية والصومالية والفلسطينية والتونسية.
كما شهد الحفل الختامي مشاركة الفنان الجزائري الشاب مامي، في لقاء جمع بين السينما والموسيقى، وأبرز العلاقة التاريخية التي تربط مدينة وهران بالفنون الغنائية.
تمنح هذه التجارب الدورة الرابعة عشرة تحدياً إضافياً يتمثل في المحافظة على التنوع الفني، واستقطاب أعمال تتميز بقيمتها الإبداعية وقدرتها على طرح أسئلة جديدة.

نادي لمين مرباح.. السينما خارج أيام المهرجان
من المبادرات التي سبقت الدورة الجديدة إطلاق نادي سينمائي يحمل اسم المخرج الجزائري لمين مرباح، في خطوة تستهدف توسيع النشاط الثقافي ليشمل مختلف فترات السنة.
احتضنت سينماتيك وهران إطلاق النادي، بحضور محافظ المهرجان العربي لكحل، وأعضاء من اللجنة المنظمة، إلى جانب الفنان محمد حويدق الذي اختير رئيساً شرفياً للدورة الرابعة عشرة.
شهد اللقاء عرض فيلم «بني هندل» للمخرج لمين مرباح، أعقبه نقاش حول العمل السينمائي وأبعاده التاريخية والفنية.
تتجاوز أهمية هذه المبادرة حدود تكريم أحد الأسماء السينمائية الجزائرية، إذ تسعى إلى ترسيخ ثقافة المشاهدة والنقاش النقدي، وإعادة ربط الجمهور المحلي بقاعات السينما.
يفتح النادي المجال أمام الطلبة والمهتمين بالفن السابع لمتابعة عروض منتظمة، والمشاركة في لقاءات تناقش تاريخ السينما الجزائرية وتجارب مخرجيها.
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير جمهور سينمائي مستمر، لا يرتبط حضوره بالعروض الاحتفالية أو بالمناسبات السنوية وحدها.
فالمهرجان الذي يمتد أسبوعاً واحداً يستطيع أن يلفت الأنظار إلى السينما، لكن بناء ثقافة سينمائية راسخة يتطلب عملاً متواصلاً على مدار السنة.
السينما الجزائرية.. تاريخ من الإبداع والتحديات
يحمل مهرجان وهران بعداً وطنياً يتصل بتاريخ السينما الجزائرية، التي ارتبطت منذ الاستقلال بقضايا التحرر والذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية.
قدمت الجزائر أعمالاً سينمائية بارزة حظيت باهتمام دولي، من بينها فيلم «وقائع سنوات الجمر» للمخرج محمد لخضر حامينا، الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1975.
كما أسهم مخرجون جزائريون من أجيال مختلفة في تطوير لغة سينمائية تناولت التاريخ الوطني، والحياة الاجتماعية، والهجرة، والعلاقات الأسرية، والتغيرات الثقافية.
لكن هذا الرصيد الفني لا يلغي التحديات التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها تمويل الإنتاج، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع شبكة قاعات العرض، وتحسين آليات التوزيع والترويج.
تحتاج الصناعة السينمائية إلى منظومة متكاملة تسمح بانتقال الفيلم من مرحلة الكتابة إلى الإنتاج، ثم إلى العرض أمام الجمهور داخل الجزائر وخارجها.
في هذا السياق، يمكن لمهرجان وهران أن يؤدي دوراً مهماً من خلال ربط المواهب الجزائرية بالمنتجين والموزعين والمؤسسات السينمائية العربية والدولية.
كما يستطيع المساهمة في التعريف بالأعمال الوطنية الجديدة، خصوصاً الأفلام المستقلة التي قد تواجه صعوبات في الوصول إلى الأسواق التجارية.
السينما العربية بين الإبداع والتمويل
تأتي الدورة المقبلة في وقت تشهد فيه الصناعة السينمائية العربية تفاوتاً واضحاً في الإمكانات والفرص المتاحة.
تمتلك بعض الدول العربية قطاعات إنتاج واسعة وشبكات توزيع وقاعات عرض، بينما تعتمد تجارب أخرى بدرجة كبيرة على التمويل المستقل أو الدعم العمومي أو الشراكات الدولية.
تواجه الأفلام العربية تحديات مشتركة، منها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الوصول إلى الجمهور، ومحدودية التوزيع العابر للحدود.
كما يطرح انتشار المنصات الرقمية أسئلة جديدة بشأن مستقبل قاعات السينما، وطرق مشاهدة الأفلام، والعلاقة بين الإنتاج المستقل والمتطلبات التجارية.
تتيح المهرجانات السينمائية فرصة لمناقشة هذه التحولات، وتبادل الخبرات بشأن نماذج التمويل والإنتاج المشترك.
يمكن لوهران أن تستفيد من موقعها بوصفها ملتقى لصناع الأفلام العرب، من خلال تعزيز اللقاءات المهنية التي تساعد على إقامة شراكات تتجاوز حدود المشاركة في المسابقات.
يتطلب تحقيق ذلك حضور منتجين وموزعين وممثلين عن صناديق دعم السينما، إلى جانب المخرجين والممثلين والنقاد.
جيل جديد يبحث عن مكانه في المشهد السينمائي
يمثل اكتشاف المواهب الشابة أحد أبرز الرهانات التي تواجه المهرجانات السينمائية العربية.
فقد أتاحت التقنيات الرقمية أدوات تصوير ومونتاج أكثر سهولة، ما ساعد عدداً متزايداً من الشباب على إنجاز أفلام بموارد محدودة.
غير أن امتلاك المعدات لا يكفي لصناعة فيلم قادر على المنافسة، إذ تبقى الكتابة السينمائية والإخراج وإدارة الإنتاج عناصر أساسية في بناء عمل متكامل.
تكتسب الورش المهنية وبرامج تطوير المشاريع أهميتها من قدرتها على مرافقة المواهب خلال هذه المراحل.
من هنا، يبدو إطلاق «باستا سينما» خطوة مرتبطة بحاجة حقيقية داخل القطاع، خصوصاً إذا تحولت التجربة إلى برنامج مستمر يقدم متابعة للمشاريع حتى بعد انتهاء المهرجان.
يمكن أن يسهم هذا النوع من المبادرات في تشجيع التعاون بين المخرجين والكتاب والمنتجين، وخلق فرص لأفلام جزائرية جديدة في السنوات المقبلة.

حضور المرأة في السينما العربية
يطرح تطور السينما العربية كذلك مسألة حضور النساء في مختلف المهن السينمائية، من الإخراج والكتابة والإنتاج إلى التصوير والمونتاج والتمثيل.
شهدت السنوات الأخيرة بروز تجارب نسائية عربية تناولت موضوعات متنوعة، بينها العلاقات الأسرية والتحولات الاجتماعية والهوية والذاكرة وقضايا المرأة.
لا يقتصر هذا الحضور على الأفلام التي تتناول قضايا نسائية، بل يشمل مساهمة المخرجات والمنتجات في تقديم رؤى فنية متعددة للواقع العربي.
يمكن للمهرجانات أن تؤدي دوراً في تعزيز هذا التنوع من خلال اختيار الأعمال وفق معايير فنية واضحة، وإتاحة فرص متكافئة للمشاركة في الورش واللقاءات المهنية.
كما تتيح الندوات السينمائية مناقشة التحديات التي تواجه العاملات في القطاع، وسبل توسيع مشاركتهن في مختلف مراحل صناعة الأفلام.
السينما الفلسطينية والذاكرة العربية
تحضر القضية الفلسطينية في تاريخ السينما العربية بوصفها موضوعاً إنسانياً وتاريخياً وسياسياً تناولته أعمال روائية ووثائقية عديدة.
ساهم مخرجون فلسطينيون وعرب في تقديم روايات سينمائية عن الذاكرة والتهجير والهوية والحياة اليومية تحت الاحتلال، مستخدمين أساليب فنية متنوعة.
تكتسب هذه الأفلام أهمية خاصة من قدرتها على تقديم تجارب إنسانية تتجاوز اللغة الإخبارية المباشرة، وتمنح الشخصيات والأماكن والذاكرة مساحة أوسع للتعبير.
تمثل المهرجانات العربية إحدى المنصات التي يمكن أن تساعد على وصول هذه الأعمال إلى جمهور جديد، وتتيح نقاشاً حول دور السينما في حفظ الذاكرة وتوثيق التحولات التاريخية.
يبقى حضور الأفلام الفلسطينية في الدورة الرابعة عشرة مرتبطاً بالاختيارات الرسمية التي ستعلنها إدارة المهرجان، من دون افتراض تخصيص برنامج معين قبل صدور إعلان بشأنه.
من العروض إلى سوق سينمائية عربية
يتجاوز التحدي الأساسي أمام مهرجان وهران مسألة تنظيم دورة ناجحة من حيث عدد الضيوف والأفلام، ليشمل قدرته على بناء تأثير مستدام في صناعة السينما.
فالمهرجانات التي تمتلك حضوراً مهنياً قوياً لا تكتفي بعرض الأفلام، بل توفر فضاءات للتفاوض حول حقوق التوزيع، والبحث عن شركاء للإنتاج، وتطوير المشاريع الجديدة.
يمكن لوهران أن تطور هذا الجانب تدريجياً، من خلال بناء علاقات مع مؤسسات سينمائية عربية ومتوسطية وأفريقية.
كما تستطيع الاستفادة من قرب الجزائر الجغرافي من أوروبا، ومن علاقاتها الثقافية مع بلدان المنطقة، لتعزيز فرص التعاون السينمائي الدولي.
يتطلب هذا الطموح استراتيجية واضحة تشمل التكوين والترويج والتوزيع، إلى جانب دعم حضور الأفلام الجزائرية والعربية في المهرجانات والأسواق الدولية.
لا يتعلق الأمر بمنافسة المهرجانات الأخرى بقدر ما يتعلق ببناء هوية مهنية متميزة تستند إلى خصوصية وهران واحتياجات السينما العربية.
الجمهور في قلب نجاح المهرجان
يبقى الجمهور العنصر الأساسي الذي يمنح أي مهرجان سينمائي معناه الثقافي.
فنجاح التظاهرة لا يقاس فقط بعدد الأفلام المشاركة أو الشخصيات التي تحضر حفلي الافتتاح والختام، بل أيضاً بقدرتها على جذب المشاهدين إلى القاعات وتشجيعهم على اكتشاف أعمال جديدة.
تتيح العروض السينمائية فرصة للجمهور لمشاهدة أفلام من بلدان عربية قد لا تصل إلى دور العرض المحلية، والتعرف إلى تجارب فنية وثقافية مختلفة.
كما تمنح اللقاءات مع المخرجين والممثلين مساحة للحوار حول الأفلام، وتساعد على تطوير ثقافة نقدية لدى المشاهدين.
يمكن أن يؤدي إشراك الجامعات والمدارس والجمعيات الثقافية دوراً مهماً في توسيع قاعدة الجمهور، خصوصاً بين الشباب.
يمثل تأسيس نادي لمين مرباح خطوة في هذا الاتجاه، لأنه يسعى إلى استمرار العلاقة بين السينما والجمهور خارج أيام المهرجان.

الثقافة والسياحة.. فرصة لوهران
يحمل المهرجان كذلك إمكانات تتعلق بالتنشيط السياحي والاقتصادي للمدينة.
فاستقبال الضيوف والوفود الإعلامية والمهنيين يخلق حركة في الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والفضاءات الثقافية، كما يمنح المدينة حضوراً إضافياً في وسائل الإعلام.
تستطيع وهران استثمار هذه المناسبة للتعريف بمعالمها التاريخية والفنية، وتنظيم مسارات ثقافية موازية تسمح للزوار باكتشاف تراثها.
يمكن أن تتحول التجربة إلى عنصر من عناصر السياحة الثقافية، إذا جرى التنسيق بين إدارة المهرجان والسلطات المحلية والمؤسسات السياحية.
لكن تحقيق هذه النتائج يتطلب تخطيطاً طويل المدى، يضمن استفادة المدينة وسكانها من النشاط الثقافي، بدلاً من اقتصار الأثر على أيام التظاهرة.
أي آفاق للدورة الرابعة عشرة؟
تدخل الدورة الرابعة عشرة مرحلة التحضير النهائي وسط مجموعة من الرهانات الفنية والتنظيمية.
يتعلق الرهان الأول بنوعية الأفلام المختارة ومدى قدرتها على تمثيل التنوع الجغرافي والفني للسينما العربية.
أما الرهان الثاني، فيرتبط بتطوير الجانب المهني، خصوصاً بعد إطلاق برنامج «باستا سينما»، الذي يمنح التظاهرة فرصة للمساهمة المباشرة في إعداد مشاريع سينمائية جديدة.
يتمثل الرهان الثالث في تعزيز العلاقة مع الجمهور المحلي، عبر توسيع العروض والنقاشات والأنشطة التي تجعل السينما جزءاً من الحياة الثقافية اليومية.
يبقى الرهان الرابع مرتبطاً بالاستمرارية، من خلال تحويل المبادرات الجديدة إلى مشاريع دائمة تتجاوز حدود الدورة الواحدة.
يمكن لهذه العناصر أن تساعد المهرجان على تعزيز حضوره، شرط أن تترافق مع تنظيم مستقر، وبرمجة فنية واضحة، وشراكات مهنية قادرة على الاستمرار.
وهران تستعد لكتابة فصل سينمائي جديد
مع اقتراب موعد الثامن عشر من ديسمبر، تتجه الأنظار إلى المدينة الجزائرية التي تستعد لاستقبال أسبوع من العروض واللقاءات والنقاشات السينمائية.
تحمل الدورة الرابعة عشرة طموحاً يتجاوز الاحتفال بالأفلام، نحو دعم المواهب وتطوير المشاريع وتعزيز التعاون بين السينمائيين العرب.
تمنح المبادرات الجديدة، وفي مقدمتها «باستا سينما» ونادي لمين مرباح، مؤشرات على رغبة المنظمين في توسيع دور التظاهرة وربطها بالعمل الثقافي والمهني المستمر.
يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه الطموحات إلى نتائج ملموسة، سواء من خلال أفلام جديدة تجد طريقها إلى الإنتاج، أو جمهور أوسع يعود إلى قاعات السينما، أو شراكات تفتح أمام المبدعين العرب فرصاً إضافية.
بين تاريخها المتوسطي وذاكرتها الفنية وحيوية مشهدها الثقافي، تستعد وهران لاحتضان لقاء جديد مع السينما العربية، في دورة تتطلع إلى أن تكون مساحة للاكتشاف والتجديد وصناعة المستقبل.


