فرنسا تحت حظر التجول.. هدوء حذر بعد موجة عنف واعتقالات واسعة

0
0

ب.ف – باريس

 

تسعى الحكومة الفرنسية إلى استعادة السيطرة على الأوضاع الأمنية بعد أيام من الاحتجاجات التي اجتاحت عدداً من المدن، وتحولت في بعض المناطق إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب واسعة. وبينما أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو نجاح إجراءات حظر التجول في إعادة الهدوء، لا تزال البلاد تواجه تداعيات أزمة اجتماعية وسياسية متصاعدة، على خلفية الغلاء وتدهور ظروف التعليم والخدمات العامة.

أكد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن حظر التجول الذي فُرض في أجزاء من باريس ومدن أخرى ساهم في تهدئة الأوضاع خلال ساعات الليل، بعد موجة اضطرابات دفعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات أمنية استثنائية في عدد من المناطق.

وأوضح لوكورنو أن السلطات المحلية ستواصل اللجوء إلى حظر التجول في الأماكن التي تستدعي الأوضاع الأمنية فيها ذلك، على أن تُتخذ القرارات بالتنسيق بين مسؤولي المحافظات ورؤساء البلديات، وفق تقييم الوضع الميداني في كل منطقة.

تعكس هذه الإجراءات توجهاً حكومياً نحو تشديد التدابير الأمنية بصورة محلية ومحددة، بدلاً من فرض قيود شاملة على مستوى البلاد، في محاولة لمنع تجدد المواجهات والحفاظ على الحياة اليومية للسكان.

باريس تحت إجراءات أمنية مشددة

شهدت العاصمة الفرنسية تطبيق حظر تجول ليلي في منطقتين رئيسيتين، هما ساحة الجمهورية ومنطقة «ليه آل» التجارية، بعد تسجيل أعمال عنف ونهب خلال الاحتجاجات الأخيرة.

امتدت القيود من الساعة الحادية عشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً، وشملت منع الدخول إلى المناطق المحددة أو البقاء فيها خلال فترة الحظر.

كما فرضت السلطات قيوداً على التجمعات والمظاهرات ابتداءً من الساعة الثامنة مساء، بهدف منع تجدد المواجهات وحماية المنشآت التجارية والممتلكات العامة.

تكتسب هذه التدابير أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع المركزي للمنطقتين، اللتين تشهدان عادة حركة كثيفة من السكان والزوار، فضلاً عن ارتباط ساحة الجمهورية تاريخياً بالتجمعات والاحتجاجات في العاصمة الفرنسية.

حظر تجول للقاصرين في مدن عدة

امتدت الإجراءات الأمنية إلى شمال فرنسا، حيث فرضت السلطات المحلية حظر تجول على القاصرين دون الثامنة عشرة في عدد من المدن، بينها ليل، خلال الفترة الممتدة من الثامنة مساء إلى السادسة صباحاً.

شملت التدابير مدناً أخرى في الشمال، مع تحديد مدة أولية للحظر تمتد ليلتين، على أن تخضع الإجراءات للمراجعة وفق تطورات الوضع الأمني.

في مدينة نيس، قررت السلطات فرض حظر تجول ليلي على القاصرين اعتباراً من التاسعة مساء، في خطوة تستهدف الحد من التجمعات الليلية والمخاطر المرتبطة بالاضطرابات.

شهدت مدينة ليون أيضاً إجراءات مماثلة في بعض أحيائها، بينما فرضت السلطات في مرسيليا حظراً مؤقتاً على المظاهرات والتجمعات في مناطق محددة.

توضح هذه القرارات اختلاف طبيعة القيود بين مدينة وأخرى، إذ تشمل بعضها جميع الأشخاص في نطاق جغرافي محدد، بينما تقتصر إجراءات أخرى على القاصرين.

نحو 2400 معتقل وآلاف المؤسسات المتضررة

كشفت السلطات الفرنسية عن حجم الأضرار التي خلفتها أعمال العنف، مشيرة إلى اعتقال ما لا يقل عن 2400 شخص في أنحاء البلاد.

كما تحدثت التقديرات الرسمية عن تضرر أو تعرض ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مؤسسة تجارية للنهب والتخريب، في حصيلة تعكس اتساع الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الاضطرابات.

شملت الاعتداءات واجهات المتاجر والمرافق العامة والمكاتب الحكومية، إضافة إلى إضرام النيران في حاويات القمامة والدراجات الهوائية وممتلكات أخرى في عدد من الشوارع.

أثارت هذه الأحداث مخاوف أصحاب المؤسسات التجارية، خصوصاً في مراكز المدن، من استمرار الخسائر وتعطل النشاط الاقتصادي إذا تجددت المواجهات.

تواجه السلطات تحدياً يتعلق بإعادة فتح المناطق المتضررة وتأمين المؤسسات، إلى جانب مواصلة التحقيقات لتحديد المسؤوليات الفردية عن أعمال التخريب والاعتداءات.

استقالة وزير الداخلية تكشف حجم الأزمة

امتدت تداعيات الاحتجاجات إلى داخل السلطة التنفيذية، بعدما قدم وزير الداخلية لوران نونييز استقالته، قبل أن يرفضها الرئيس إيمانويل ماكرون.

برر قصر الإليزيه القرار بضرورة ضمان استمرارية قيادة الأجهزة الأمنية في مرحلة تشهد اضطرابات واسعة وضغوطاً متزايدة على قوات الشرطة.

طلب ماكرون من وزير الداخلية مراجعة أساليب عمل قوات الأمن وتحديد أوجه القصور في التخطيط والاستعداد وجمع المعلومات الاستخبارية التي سبقت أعمال العنف.

كما شدد على ضرورة اتخاذ إجراءات عملية تمنع تكرار مشاهد المتاريس والنهب والاعتداءات على المنشآت العامة.

تعكس هذه التطورات انتقال الأزمة من الشارع إلى مستويات القرار الحكومي، مع تصاعد التساؤلات بشأن مدى استعداد الأجهزة الأمنية للتعامل مع احتجاجات واسعة ومتزامنة.

لوكورنو يدافع عن أداء الشرطة

دافع رئيس الوزراء الفرنسي عن تعامل قوات الأمن مع الاضطرابات، مشيراً إلى أن المواجهات لم تسفر عن سقوط قتلى رغم شدة أعمال العنف والأضرار المادية المسجلة.

وصف لوكورنو عدم تسجيل وفيات بأنه أمر استثنائي بالنظر إلى خطورة الأحداث، في وقت تتواصل فيه مراجعة الخطط الأمنية التي اعتمدتها السلطات خلال الاحتجاجات.

يضع هذا الموقف الحكومة أمام مسؤولية مزدوجة، تتمثل في ضمان الأمن العام وحماية الممتلكات، مع احترام الحق في التظاهر السلمي والحريات الأساسية التي يكفلها القانون الفرنسي.

الغلاء وأوضاع المدارس وراء الاحتجاجات

تعود جذور الاحتجاجات إلى مطالب اجتماعية واقتصادية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، إلى جانب تدهور ظروف الدراسة في عدد من المؤسسات التعليمية.

شارك في التحركات طلاب ومعلمون وفئات اجتماعية مختلفة، قبل أن تنضم إليها مجموعات مرتبطة بحركة «السترات الصفراء»، التي ارتبط اسمها منذ عام 2018 بالاحتجاج على الضرائب وتراجع القدرة الشرائية.

ساهم تنوع المشاركين والمطالب في اتساع نطاق التحركات، بينما أدى وقوع أعمال عنف على هامش المظاهرات إلى انتقال اهتمام السلطات نحو الإجراءات الأمنية وملاحقة المتورطين في التخريب.

يبرز هنا تحدٍ سياسي يتعلق بالفصل بين المطالب الاجتماعية التي يرفعها المحتجون السلميون والأفعال التي تشكل جرائم يعاقب عليها القانون.

أزمة أمنية بأبعاد سياسية

تأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة من الحياة السياسية الفرنسية، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، وتصاعد الجدل بشأن حصيلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية للرئيس إيمانويل ماكرون.

تواجه الحكومة انتقادات تتعلق بإدارة الأزمة والاستعداد الأمني، في مقابل مطالب بفتح حوار جدي بشأن القدرة الشرائية والتعليم والخدمات العامة.

تثير إجراءات حظر التجول بدورها نقاشاً بشأن مدى فعاليتها على المدى الطويل، وحدود استخدامها في مواجهة اضطرابات تنطلق أساساً من احتجاجات اجتماعية.

فرغم إعلان الحكومة استعادة الهدوء خلال الليل، فإن معالجة أسباب الاحتقان تبقى مسألة منفصلة عن نجاح الإجراءات الأمنية المؤقتة.

هدوء في الشوارع وتحديات لم تنته

يشير تراجع الاضطرابات الليلية، وفق تقييم الحكومة، إلى أن حظر التجول ساهم في الحد من أعمال العنف في المناطق المشمولة بالإجراءات.

غير أن استمرار المطالب الاجتماعية واتساع الخلاف السياسي بشأن إدارة الأزمة يضعان السلطات أمام اختبار يتجاوز استعادة الأمن في الشوارع.

تتجه الأنظار إلى القرارات التي ستتخذها المحافظات خلال الأيام المقبلة، ومدى الحاجة إلى تمديد القيود أو تخفيفها، بالتوازي مع جهود إصلاح الأضرار وملاحقة المسؤولين عن أعمال التخريب.

تبقى قدرة الحكومة الفرنسية على الجمع بين استعادة النظام العام والاستجابة للمطالب الاجتماعية عاملاً حاسماً في تحديد مسار الأزمة، وسط مخاوف من تجدد التعبئة الاحتجاجية خلال المرحلة المقبلة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا