ب.ف- باريس
دخلت فرنسا مرحلة جديدة من التوتر الاجتماعي والسياسي بعد موجة احتجاجات واسعة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة، تحولت في عدد من المدن إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن وأعمال تخريب ونهب طالت مؤسسات حكومية ومتاجر وممتلكات خاصة. يأتي هذا التصعيد قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، وسط تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على احتواء الغضب الشعبي ومعالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية.
شهدت العاصمة باريس ومدن فرنسية أخرى اضطرابات غير مسبوقة منذ سنوات، بعدما التقت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية مع مطالب نقابية واجتماعية أوسع، بمشاركة عناصر من حركة «السترات الصفراء» التي عادت إلى الواجهة بعد سنوات من تراجع نشاطها.
تحولت المظاهرات التي خرج معظم المشاركين فيها بصورة سلمية إلى مواجهات في مناطق عدة، إثر اندلاع أعمال عنف نفذتها مجموعات استهدفت عناصر الشرطة والمباني العامة والمحلات التجارية.
أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف 2397 شخصاً خلال احتجاجات السابع عشر من أكتوبر، وإصابة 997 من عناصر الشرطة والدرك، بينهم سبعة في حالة خطرة، وفق الحصيلة التي نشرتها السلطات في الثامن عشر من الشهر نفسه.
تعكس هذه الأرقام حجم التحدي الأمني الذي واجهته السلطات، في وقت تواصل فيه الحكومة تقييم الخسائر ومراجعة ظروف التعامل مع الاحتجاجات.
من احتجاجات المدارس إلى غضب اجتماعي شامل
بدأت موجة الاحتجاجات الحالية من المؤسسات التعليمية، حيث عبّر طلاب المدارس الثانوية عن استيائهم من نقص المدرسين وتدهور ظروف الدراسة وضعف الإمكانات المخصصة للمؤسسات التعليمية.
اتسعت المطالب تدريجياً لتشمل قضايا القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الوقود والسكن والمواد الأساسية، إلى جانب المخاوف من تراجع الخدمات العامة.
ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في توسيع التعبئة وتنسيق التحركات بين مجموعات مختلفة، ما أتاح للحركة الاحتجاجية الانتقال من مطالب قطاعية محددة إلى تحرك اجتماعي متعدد الأطراف.
انضم ناشطون من حركة «السترات الصفراء» إلى الاحتجاجات، في مشهد أعاد إلى الأذهان المظاهرات التي بدأت عام 2018 احتجاجاً على الضرائب المفروضة على الوقود، قبل أن تتحول إلى حركة أوسع ضد السياسات الاقتصادية للرئيس إيمانويل ماكرون.
بلغ عدد المشاركين في احتجاجات السابع عشر من أكتوبر نحو 550 ألف شخص وفق تقديرات السلطات، بينما تحدث المنظمون عن مشاركة تصل إلى 800 ألف متظاهر.
يكشف هذا التفاوت في الأرقام عن اختلاف تقديرات حجم التعبئة، لكنه لا يحجب اتساع الحركة الاحتجاجية وانتشارها في عشرات المدن الفرنسية.
باريس في قلب المواجهات
شهدت العاصمة الفرنسية بعضاً من أعنف المواجهات، خصوصاً في محيط ساحة الجمهورية والشوارع المؤدية إلى وسط المدينة.
انتشرت وحدات مكافحة الشغب في مناطق حساسة، بعدما حاولت مجموعات من المحتجين الوصول إلى مواقع سبق أن فرضت السلطات قيوداً على التجمع فيها.
استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات شاركت في مواجهات وأعمال تخريب، بينما أُضرمت النيران في حاويات للنفايات ودراجات، وتعرضت واجهات محلات تجارية للتحطيم.
امتدت الاضطرابات إلى مناطق قريبة من قصر الإليزيه، ما أثار تساؤلات بشأن مدى استعداد الأجهزة الأمنية للتعامل مع احتجاجات متزامنة ومتفرقة جغرافياً.
تواصلت التوترات في بعض أحياء العاصمة خلال اليوم التالي، رغم الدعوات الرسمية إلى التهدئة.
مرسيليا وليون وبوردو وليموج.. أضرار واسعة
لم تقتصر الاضطرابات على باريس، بل امتدت إلى مدن رئيسية شهدت اعتداءات على مبان عامة ومرافق اقتصادية.
في مرسيليا، اقتحمت مجموعة من الأشخاص مبنى البلدية وألحقت أضراراً بمحتوياته، فيما شهدت المدينة مواجهات مع الشرطة ومحاولات للاعتداء على منشآت أمنية.
في ليون، تعرض مكتب سياحي في ساحة بيلكور لحريق خلال أعمال العنف.
شهدت بوردو اعتداءات على ممتلكات عامة وخاصة، بينها مقر إقامة المسؤول الإداري الأول في الإقليم، ما دفع السلطات إلى تعزيز الانتشار الأمني.
أما مدينة ليموج، فقد شهدت واحدة من أكثر الحوادث إثارة للصدمة، بعدما تعرض مبنى البلدية التاريخي لحريق كبير أدى إلى انهيار برج الساعة.
أثار الحادث غضب السلطات المحلية، وسط مطالب بتوضيح أسباب عدم توفير الحماية الكافية للمبنى.
أعلنت السلطات فتح تحقيقات لتحديد المسؤولين عن أعمال التخريب والحرائق والاعتداءات، في وقت بدأت فيه البلديات المتضررة عمليات تنظيف وإصلاح واسعة.
خسائر اقتصادية بملايين اليوروهات
ألحقت أعمال العنف أضراراً كبيرة بالقطاع التجاري، خصوصاً في مراكز المدن التي شهدت عمليات نهب وتحطيم واجهات المتاجر.
أعلنت مجموعة «كارفور» الفرنسية تعرض خمسين متجراً تابعاً لها لأضرار، بينها عشرون تعرضت للنهب، فيما قُدرت خسائر المجموعة بعشرات الملايين من اليوروهات.
تضررت كذلك محلات تجارية صغيرة ومطاعم ومرافق عامة، ما أثار مخاوف أصحاب الأعمال بشأن تكاليف الإصلاح وتعطل النشاط الاقتصادي.
أكد وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور استعداد السلطات لمساعدة التجار المتضررين، مشدداً على ضرورة تحميل المسؤولين عن التخريب تبعات أفعالهم.
تواجه الحكومة في هذا السياق تحدياً مزدوجاً يتمثل في إعادة الاستقرار إلى الشوارع، وتقديم الدعم الاقتصادي للمؤسسات التي تعرضت للخسائر، من دون تجاهل المطالب الاجتماعية التي كانت وراء انطلاق الاحتجاجات.
ماكرون يدين العنف ويعترف بمشروعية المطالب
خرج الرئيس إيمانويل ماكرون في خطاب متلفز عقب الاحتجاجات، أدان فيه أعمال التخريب والنهب والاعتداءات التي شهدتها البلاد.
شدد الرئيس الفرنسي على أن الاحتجاج السلمي حق مشروع، لكنه ميّز بين المواطنين الذين يعبرون عن مطالب اجتماعية وبين المجموعات التي تلجأ إلى العنف وتدمير الممتلكات.
أعلن ماكرون عزمه اتخاذ إجراءات أكثر حزماً لحماية المؤسسات العامة والتجار، مع منح السلطات المحلية إمكان فرض قيود على بعض التجمعات عندما تقتضي الضرورة الأمنية ذلك.
لم يعلن الرئيس حالة الطوارئ، رغم مطالب صدرت عن شخصيات سياسية باتخاذ إجراءات استثنائية.
دعا أيضاً إلى حوار يجمع ممثلين عن الطلاب والمعلمين والنقابات وأصحاب العمل والقوى السياسية، بهدف بحث مقترحات عملية لمعالجة أسباب الاحتقان.
يثير هذا التوجه تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والاستجابة للمطالب الاجتماعية، خصوصاً مع استمرار التوتر في الشارع.
اتهامات سياسية متبادلة
تحولت الاحتجاجات سريعاً إلى محور مواجهة سياسية بين الحكومة وأحزاب المعارضة.
حمّل مسؤولون حكوميون مجموعات من اليسار المتطرف وعناصر متورطة في أعمال إجرامية مسؤولية جانب من أعمال العنف، بينما تصاعد الجدل بشأن دور حزب «فرنسا الأبية» في دعم التعبئة الاحتجاجية.
دافع زعيم الحزب جان لوك ميلانشون عن مطالب الطلاب والمحتجين، ودعا الرئيس ماكرون إلى الاستجابة للأسباب الاجتماعية التي دفعتهم إلى الشارع، مع إدانة أعمال النهب والتخريب.
في المقابل، انتقدت مارين لوبان، القيادية في حزب «التجمع الوطني»، مشاهد العنف والفوضى، مؤكدة ضرورة حماية المواطنين والممتلكات العامة.
أعادت هذه المواقف النقاش حول العلاقة بين الاحتجاج الاجتماعي والتنافس الحزبي، وحدود مسؤولية القوى السياسية في التعبئة الشعبية.
تسعى أحزاب المعارضة إلى إبراز مواقفها من الأزمة، بينما تواجه السلطة التنفيذية ضغوطاً متزايدة لتقديم إجابات تتجاوز المقاربة الأمنية.
أزمة القدرة الشرائية تعود إلى الواجهة
تعكس الاحتجاجات استمرار القلق بشأن المستوى المعيشي للأسر الفرنسية، في ظل ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والخدمات الأساسية.
تواجه فئات من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط صعوبات في التوفيق بين النفقات اليومية والأجور، بينما تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الخدمات العامة والإنفاق الاجتماعي.
تأتي هذه التحديات في وقت تعاني فيه المالية العامة الفرنسية ضغوطاً كبيرة مرتبطة بارتفاع الدين العام والحاجة إلى ضبط الإنفاق.
تجد الحكومة نفسها أمام معادلة اقتصادية معقدة، إذ يتطلب تحسين الخدمات العامة ودعم القدرة الشرائية موارد إضافية، بينما تفرض أوضاع الميزانية قيوداً على توسيع الإنفاق.
يشكل هذا التناقض أحد أبرز أسباب التوتر الاجتماعي، خصوصاً عندما يشعر المواطنون بأن الإجراءات الاقتصادية لا تنعكس بصورة ملموسة على حياتهم اليومية.
هل تعود فرنسا إلى أجواء السترات الصفراء؟
أعادت مشاهد المواجهات في الشوارع الفرنسية ذكريات الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ عام 2018، عندما تحولت حركة «السترات الصفراء» من رفض زيادة الضرائب على الوقود إلى حركة احتجاجية واسعة ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
تتشابه الحركتان في التركيز على القدرة الشرائية والشعور بالتفاوت الاجتماعي، لكن التعبئة الحالية تتميز بحضور طلابي بارز واتساع القضايا المرتبطة بالتعليم والخدمات العامة.
يطرح هذا التحول سؤالاً بشأن إمكانية تشكل حركة اجتماعية طويلة الأمد تجمع فئات مختلفة تحت مطالب مشتركة.
يعتمد استمرار الاحتجاجات على قدرة المنظمين على توحيد مطالبهم والحفاظ على التعبئة، فضلاً عن طبيعة الاستجابة الحكومية خلال المرحلة المقبلة.
انتخابات 2027 تدخل على خط الأزمة
تكتسب التطورات الأخيرة أهمية سياسية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع عام 2027.
تواجه القوى السياسية اختباراً يتعلق بكيفية التعامل مع المطالب الاجتماعية من جهة، ومواقفها من الأمن والنظام العام من جهة أخرى.
تسعى أحزاب اليسار إلى إبراز القضايا المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والخدمات العامة، بينما يركز اليمين واليمين المتطرف بدرجات متفاوتة على الأمن ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف، إلى جانب طرح مواقفهما الاقتصادية.
تطرح الأزمة كذلك تساؤلات بشأن حصيلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال سنوات رئاسة ماكرون، ومدى تأثيرها في النقاش السياسي الذي سيسبق الاستحقاق الرئاسي.
لا يمكن الجزم بتأثير الاحتجاجات في النتائج الانتخابية، لكن استمرارها قد يجعل القدرة الشرائية والأمن ومستقبل الخدمات العامة من أبرز الملفات المطروحة في الحملات السياسية.
فرنسا أمام اختبار اجتماعي وسياسي
تكشف احتجاجات أكتوبر عن حالة من الاحتقان تتجاوز الأحداث الأمنية التي شهدتها المدن الفرنسية.
تعبر المشاركة الواسعة في المظاهرات عن مطالب اقتصادية واجتماعية متنوعة، في حين تثير أعمال العنف مخاوف تتعلق بالأمن العام وحماية المؤسسات وحقوق المتظاهرين السلميين.
تواجه الحكومة مهمة استعادة الهدوء وضمان المحاسبة القانونية للمتورطين في الاعتداءات، بالتوازي مع معالجة أسباب الاستياء التي دفعت مئات الآلاف إلى الاحتجاج.
يبقى السؤال الأبرز متعلقاً بمدى قدرة السلطة التنفيذية والقوى السياسية والاجتماعية على تحويل هذه الأزمة إلى حوار يستجيب للمطالب المطروحة، قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى مصدر إضافي للاستقطاب مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.


