محمد رميتة – باريس
تشهد الساحة اللبنانية تطورات متسارعة تشير إلى وجود تفاهمات إقليمية ودولية ساهمت في احتواء التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، في وقت لا تزال فيه مؤشرات عديدة تعكس هشاشة الوضع الميداني واحتمال عودة التوتر في أي لحظة.
وكشفت تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية عن التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله بوساطة أمريكية وقطرية، وذلك عقب سلسلة اتصالات ومشاورات شملت أطرافًا إقليمية فاعلة، من بينها إيران. ووفقًا لمصادر مطلعة، فإن واشنطن لعبت دورًا محوريًا في تثبيت التهدئة عبر نقل رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى مختلف الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، أفادت شبكة “سي إن إن” بأن الإدارة الأمريكية أبلغت طهران أن إسرائيل لا تنوي توسيع نطاق عملياتها العسكرية في لبنان أو الانتقال إلى مرحلة تصعيد جديدة. كما أشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة أوضحت للإيرانيين أن إسرائيل وافقت على عدم الرد على بعض الخروقات المرتبطة بوقف إطلاق النار، معتبرة أن استمرار الهدوء بات مرتبطًا بشكل أساسي بمدى التزام حزب الله بوقف الهجمات.
ورغم الحديث عن التهدئة، استمرت الطائرات الإسرائيلية في تنفيذ غارات على مناطق عدة في جنوب لبنان، شملت محيط مدينة النبطية وبلدات كفرتبنيت والنبطية الفوقا، إلى جانب قصف مدفعي استهدف مناطق في إقليم التفاح. ويعكس استمرار هذه العمليات وجود تباين في تفسير بنود وقف إطلاق النار، إذ ترى إسرائيل أن الاتفاق لا يمنعها من استهداف ما تعتبره تهديدات أمنية أو بنى تحتية مرتبطة بالحزب.
من جهتها، واصلت طهران توجيه انتقادات حادة للمواقف الإسرائيلية. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن ما وصفها بـ”جماعة الموت في تل أبيب” تسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة حرب دائمة، وذلك ردًا على تصريحات إسرائيلية متشددة دعت إلى توسيع العمليات العسكرية ضد لبنان.
وفي واشنطن، استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التطورات الأخيرة للتأكيد على نجاح سياسة الضغط التي انتهجتها إدارته تجاه إيران، معتبرًا أن المواجهات الأخيرة أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير. كما شدد على أن بلاده لن تقدم أي دعم مالي لطهران، مؤكدًا استمرار الضغوط الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.
بالتوازي مع ذلك، برز تطور لافت في ملف الملاحة البحرية، بعدما أعلنت هيئة إدارة مضيق هرمز السماح بمرور السفن وفق ضوابط وإجراءات محددة، استنادًا إلى ما وصفته بمذكرة تفاهم قائمة بين واشنطن وطهران. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشرًا على وجود قنوات تواصل فعالة بين الطرفين رغم التوتر السياسي المستمر.
وتأتي هذه التطورات في وقت يكتنف فيه الغموض مستقبل المحادثات الأمريكية الإيرانية، خصوصًا مع تضارب الإشارات الصادرة عن الجانبين. فبينما تؤكد واشنطن استمرار سياسة الضغط، توحي بعض التحركات الميدانية والدبلوماسية بوجود تفاهمات محدودة تهدف إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
وعليه، تبدو التهدئة الحالية في لبنان مرتبطة بتوازنات إقليمية معقدة تتجاوز حدود الساحة اللبنانية نفسها، حيث يتداخل الملف اللبناني مع مسارات التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، ومع الحسابات الأمنية الإسرائيلية. وبين مؤشرات التهدئة واستمرار العمليات العسكرية المحدودة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى مرحلة أكثر استقرارًا، أو عودة التصعيد إذا ما فشلت الأطراف في الحفاظ على التفاهمات القائمة.


