شهادات مروّعة للأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية

0
41

في قلب الحرب المستمرة على غزة، توسعت دائرة الصراع لتشمل ما وراء الجبهات، حيث تحولت السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى مسرح لمعارك سياسية ونفسية، يتم فيها إعادة إنتاج القوة والهيبة الإسرائيلية على حساب حياة الأسرى الفلسطينيين. لم يعد الحديث عن الاعتقال مجرد مسألة أمنية، بل أصبح ملف الأسرى أداة أساسية للضغط السياسي، وللانتقام الجماعي، ولإعادة تشكيل الوعي القومي في الداخل الإسرائيلي.


إحصاءات غامضة وأرقام متلاعبة

تُشير إحصاءات مؤسسات الأسرى الفلسطينيين إلى وجود حوالي 10 آلاف أسير في سجون الاحتلال، أغلبهم من الضفة الغربية والقدس، بينما يُصنّف أسرى غزة تحت بند “المقاتلين غير الشرعيين”، ويبلغ عددهم الرسمي 1249 حتى فبراير/شباط 2026. ومع ذلك، تكشف تقارير حقوقية عن عشرات وربما مئات من المختفين قسريًا، والذين لا يُعرف مصيرهم، سواء كانوا محتجزين في مراكز سرية أو تم تصفيتهم ميدانيًا دون إعلان رسمي.

وقد أكدت منظمة هموكيد الإسرائيلية أن حالات الاختفاء القسري تتزايد بشكل ملحوظ، مع رفض الجيش الكشف عن المحتجزين رغم وجود شهود، ما يعكس سياسة متعمدة لإخفاء المعلومات والالتفاف على أي رقابة قضائية أو حقوقية.

في هذا الإطار، يشير نادي الأسير الفلسطيني إلى أن 88 أسيرًا استشهدوا داخل السجون ومراكز الاحتجاز منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى منتصف فبراير 2026، بينهم 52 من غزة، في حين أن حالات الوفاة الحقيقية قد تكون أعلى بسبب الإخفاء المتعمد وصعوبة الوصول إلى المعلومات.


من الاعتقال إلى الاستعراض الإعلامي

ما يميز المرحلة الحالية هو تحول التنكيل بالأسرى إلى مادة استعراضية، يُعرض على القنوات الإسرائيلية بصور مُعدة مسبقًا. فقد شارك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بشكل مباشر في عمليات التقييد والإذلال، مهددًا الأسرى بالعقوبات والإعدام، في مشاهد إعلامية صممت لتوجيه رسالة داخلية واضحة: “استعادة السيطرة والردع”.

القوانين الجديدة، مثل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وقانون محاكمة نخبة كتائب القسام، تمنح المحاكم صلاحيات استثنائية لتجاوز قواعد الإثبات المعتادة، وتحويل جلسات المحاكمة إلى مسرح قانوني – سياسي، حيث يصبح الأسير الفلسطيني أكثر من مجرد معتقل، بل مادة صراع رمزي وجزءًا من آلة الردع الجماعي.


السياسة والانتخابات في قلب السجون

في العام الانتخابي الإسرائيلي، صار التشدد ضد الفلسطينيين عملة سياسية رابحة، واستغلال ملف الأسرى أداة لتعزيز الشعبية. اليمين المتطرف، بقيادة بن غفير و**بتسلئيل سموتريتش، يستعرض القوة عبر مشاهد القمع والإذلال، بينما يضطر حزب الليكود وقيادة المعارضة، بمن فيهم يائير لبيد وبيني غانتس**، للتماهي مع هذا الخط لتجنب اتهامات بالضعف أمام “الإرهاب”.

الملف أصبح أداة للضغط الداخلي، حيث يُستخدم الأسير الفلسطيني لقياس قدرة الأحزاب على فرض تعريفها للعدالة والأمن، وتحويل التعاطف الدولي أو النقد الحقوقي إلى حلبة تفاوض داخلي على السلطة والهيبة السياسية.


الإذلال كبناء رمزي للهيبة

ارتبط السابع من أكتوبر 2023 بانهيار صورة الجيش الإسرائيلي وفاعلية الأجهزة الأمنية. ومنذ ذلك الحين، صار إذلال الأسير الفلسطيني أداة لإعادة بناء الهيبة القومية، وإعطاء الجمهور الداخلي شعورًا بالسيطرة، بينما يُحوّل القضاء إلى أداة للانتقام السياسي.

تقارير حقوقية تشير إلى استخدام أساليب ممنهجة تشمل:

  • التعذيب البدني والنفسي.

  • الحرمان من الرعاية الطبية الأساسية.

  • التجويع المفرط والإخفاء القسري.

  • رفض تنفيذ أوامر قضائية لتحسين ظروف الاحتجاز.

هذه الممارسات لا تعكس فقط عقوبة، بل رسائل سياسية واجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي، لإعادة تشكيل الوعي القومي واستعادة “هيبة الدولة” بعد الهزيمة الرمزية في أكتوبر 2023.


مصير مجهول وأفق قاتم

مع إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تجمدت كل صفقات تبادل الأسرى، وأصبح مصير معتقلي غزة رهين القوانين الجديدة والممارسات الاستثنائية. في ظل قوانين الإعدام والمحاكمات الخاصة، والضغط الإعلامي، والإخفاء القسري، يقف الأسرى الفلسطينيون عند مفترق طرق قاتم:

  • بين حياة مهددة داخل السجون.

  • وإمكانية تعرضهم للإعدام الفوري أو المحاكمات الجزافية.

  • وبين تحولات قضائية وسياسية تعيد تعريف معنى الاعتقال والقانون في إسرائيل.

يبقى ملف الأسرى الفلسطينيين أداة ضغط وسيطرة، مسرحًا للحرب النفسية والسياسية، ومرآة لصراع أوسع على السلطة والهوية والهيبة، بينما حياة الإنسان الفلسطيني تتحول إلى ساحة للصراع الرمزي المفتوح على كل الاحتمالات.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا