البحر المتوسط يواصل ابتلاع المهاجرين ورائحة الموت تفوح بين صفاقس وسردينيا

0
51

تخرج الأمواج جثث المهاجرين الغرقى في كل يوم تقريبا على شواطئ صفاقس بتونس، وتكتظ المشرحة وردهات مستشفى المدينة بعشرات الجثث الأخرى في دليل واضح شديد القسوة على الزيادة غير المسبوقة في أعداد المهاجرين الأفارقة، وفي مشاهد مثيرة للشفقة، تعود دوريات خفر السواحل إلى ميناء المدينة بأعداد هائلة من المهاجرين بعد اعتراضهم في البحر، في نهاية غير التي كانوا يتمنونها لأحلامهم بحياة أفضل في أوروبا، ويقول العميد بالحرس الوطني حسام الدين الجبابلي إن أعداد المهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط ارتفعت بشكل عام، لكن عدد المغادرين من تونس زاد بشكل كبير وبلغ مستويات غير مسبوقة، وأوقف خفر السواحل ما يزيد عن 17 ألف شخص في البحر في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2023، مقارنة بحوالي 3000 فقط في نفس الفترة من عام 2022 أي بزيادة حوالي ستة أمثال.

قفزت الأرقام بعد حملة تستهدف المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في فبراير شباط، والتي أعلنها الرئيس قيس سعيد مستخدما لهجة ندد بها الاتحاد الأفريقي ووصفها بالعنصرية. وتحدث الكثير من المهاجرين عن تعرضهم لهجمات عنصرية، وكان إبراهيم بوباي من ساحل العاج يصرخ بعد نقله على متن سفينة خفر السواحل مع زوجته وطفليه الرضيعين بعد توقيفهم قائلا “دعونا نذهب! رئيسكم طردنا والآن تمنعوننا من المغادرة.. اتركونا”، وأضاف إبراهيم وهو يغالب دموعه “لقد طُردنا من منزلنا، ورشق البعض منزلنا بالحجارة” مؤكدا أنه غادر تونس مضطرا، وكرر عدة مهاجرين أفارقة آخرين التقت بهم رويترز تصريحات مماثلة بعد اعتراض قواربهم المتهالكة المكتظة في رحلات محفوفة بالمخاطر.

مطاردات واشتباكات في البحر

في غضون دقائق من صعود فريق صحفي على متن سفينة خفر السواحل 3505 قبالة سواحل صفاقس، لمح القبطان قاربا يحتمل أن يكون لمهاجرين على شاشة الرادار في مسار لجزيرة لامبيدوزا الإيطالية، الوجهة الرئيسية للمهاجرين، بسرعة طلب من زورقين سريعين الاتجاه للهدف ليتبين أنه مركب متهالك مكتظ بمهاجرين، وبعد أن أصبح القارب المكتظ بالمهاجرين في مجال الرؤية وسط الظلام، توسل مهاجرون، وبينهم أطفال، لخفر السواحل أن يتركوهم في طريقهم، حاول آخرون المقاومة أو الهرب، وخلال الساعات التالية من الصباح، راقبت رويترز خفر السواحل وهو يوقف خمسة قوارب ويتعقب أربعة أُخر على الأقل، لم يكن لديهم متسع من الوقت ولا من الإمكانيات للحاق بهم جميعا، ووثق فريق صحفي في أحد القوارب مشاهد لمهاجرين يشتبكون مع خفر السواحل بالعصي وآخرين يلقون بقضبان معدنية على أفراد الدوريات فيما هدد البعض بإلقاء أنفسهم في البحر، المركب المكتظ بمهاجرين سودانيين لم يتوقف وظلت مركبتان سريعتان لخفر السواحل تلاحقانه لما يزيد عن 30 دقيقة، كان المهاجرون يصرخون من مركبهم “اتركونا نمر، السودان فيه حرب، السودان مدمر”، ولم يكن المركب يحمل سودانيين فقط، بل كان على متنه مهاجرون سوريون أيضا.

يقول خفر السواحل إنهم لن يبقوا مكتوفي الأيدي في هذه المطادرة، وبمجرد اقتراب زورقهم السريع من مركب المهاجرين أخذ رجل من خفر السواحل عصا طويلة ودمر محرك المركب لإيقافه تماما، ويقولون إنهم يضطرون لتدمير المحركات عندما لا يتوقف المهاجرون أو يرفضون الانصياع للأوامر، وبينما كان بعض المهاجرين، الذين قبلوا النزول من مركب الهجرة إلى باخرة صغيرة تابعة لخفر السواحل، يهمون بالنزول يأتي نداء من الباخرة الكبيرة التي تجمع المهاجرين في عرض البحر طلبا للمساعدة لإخماد احتجاجات مهاجرين أفارقة على متنها، ويربط خفر السواحل السفينة بحبل سميك ويبدأون في جرها، لكن إصرار المهاجرين السودانيين على إتمام رحلتهم كان أكبر، يأخذ أحدهم سكينا ويقطع الحبل ويعود مركبهم للهروب من جديد، وعندما عادت مراكب خفر السواحل الصغيرة إلى السفينة الرئيسية، وجدوا قبطانها يطلق النار في الهواء في محاولة لإخماد احتجاج نحو 200 مهاجر أفريقي على متن السفينة مطالبين بالسماح لهم بالذهاب إلى إيطاليا، وبينما ألقى بعضهم بمحركات قوارب كان حرس السواحل صادرها في البحر، هدد آخرون بإضرام النار في أنفسهم وألقى رجل آخر بنسفه في البحر قبل أن يتم إنقاذه، وتنتقد جماعات حقوق المهاجرين أسلوب تحطيم المحركات قائلة إنّ بعض القوارب تُركت بلا دفة وسط الأمواج وتعرضت لخطر الغرق، لكنّ الجبابلي المتحدث باسم الحرس الوطني نفى تعرض المهاجرين للخطر وقال إن خفر السواحل يتعرضون لتهديدات متزايدة في البحر عند إيقاف قوارب المهاجرين، وخلال المواجهات أصيب أحد رجال خفر السواحل في يده بعد تعرضه لضرب بآلة حديدية استعملها مهاجر.

رائحة الموت

تنخفض تكلفة الرحلات حيث أصبح المهاجرون الأفارقة يعتمدون بدرجة أقل على قوارب الصيد التونسية، ويشترون قواربهم المعدنية المصنوعة بأسعار رخيصة والمخصصة لرحلة واحدة فقط، وقال مسؤولون بالحرس تحدثت إليهم رويترز بقرى شاطئية في صفاقس إن تكلفة العبور إلى إيطاليا كانت في السابق 5000 دينار (1600 دولار) لكنها تراجعت إلى ما بين 1000 و2000 دينار فقط، مع تقسيم المهاجرين تكلفة القارب والمحرك بالتساوي بينهم.

أحد سكان منطقة جبنيانة بصفاقس تحدث لرويترز قائلا إن القارب المعدني الذي تبلغ تكلفة صناعته 2000 دينار يمكن أن يباع مقابل 20 ألف دينار، وأضاف أن هناك زيادة مستمرة في أعداد من يعملون بهذه الصناعة بالقرب من الشواطيء، موضحا لرويترز منازل استخدمت مؤخرا لهذا الغرض، وأصبحت صناعة قوارب الموت الحديدية نشاطا مربحا للكثيرين في مناطق العامرة والمساترية حيث يستعمل كثيرون منهم منازلهم لصناعة المراكب قبل نقلها للشاطئ، كثير من المهاجرين، أجرت معهم رويترز مقابلات وهم قادمون من قوارب خفر السواحل، قالوا إنهم سيحاولون العبور مرة أخرى قريبا، الجثث لم تكن مكدسة فقط في المستشفى، فشواطئ صفاقس تلفظ يوميا تقريبا أعدادا كبيرة من الجثث.

تقول قوات خفر السواحل إن ما يزيد عن ‭‭‭‭‭230‬‬‬‬‬ جثة انتشلت قبالة السواحل التونسية خلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر أبريل وهو رقم غير مسبوق في مثل هذه الفترة الوجيزة، وتشير أرقام المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن حوالي 500 مهاجر لاقوا حتفهم أو مازالو مفقودين في حوادث غرق قبالة السواحل التونسية هذا العام وهو أمر لم يسبق حدوثه ويظهر بوضوح هول الكارثة، وشاهد فريق صحفي خلال جولة قصيرة على شواطئ صفاقس خمس جثث جرفتها الأمواج من بينها جثة متآكلة لصبي يرتدي سروالا وقميصا أبيض، وفي مستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس اكتظ مركز الأموات فيه بما يزيد عن 200 جثة، معظمها خارج المشرحة الصغيرة مكدسة في أكياس على أرضيات الممر، ويشكو المرضى من الرائحة الكريهة، يقول أحد الممرضين “لم نشاهد أمرا مماثلا لهذا من قبل، لم نعد قادرين على التحمل”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا