محمد رميتة – ليون
تدخل الأسواق العراقية مرحلة دقيقة مع استكمال انسحاب قوات التحالف الدولي والانتقال إلى صيغة أمنية جديدة بين بغداد وواشنطن، وهو تحول لا يقتصر أثره على الجانب العسكري والسياسي، بل يمتد إلى حركة التجارة والاستثمار وسوق الدولار والقطاع المصرفي، ففي عدد من أسواق بغداد ظهرت حالة واضحة من الحذر بين التجار والمستهلكين، مع تأجيل بعض عمليات الشراء واقتصار جزء من الإنفاق على المواد الأساسية، وسط ترقب لما قد تحمله المرحلة التالية من تطورات أمنية أو مالية، بينما تؤكد السلطات العراقية أن الانسحاب تم وفق تفاهم مسبق مع الولايات المتحدة ولا يعني بالضرورة حدوث قطيعة اقتصادية أو مالية بين البلدين.
الأسواق تترقب ما بعد الانسحاب
حالة عدم اليقين انعكست بصورة مباشرة على النشاط التجاري في عدد من مناطق بغداد، إذ يشير تجار إلى أن المستهلكين أصبحوا أكثر حذرا في الإنفاق، وأن بعضهم فضل تأجيل مشتريات غير ضرورية بانتظار اتضاح المشهد، كما تراجعت الحركة في بعض الأسواق بينما استمر الطلب بصورة أكبر على الاحتياجات الأساسية، وهو ما يكشف ارتباط ثقة المستهلك العراقي بالاستقرار السياسي والأمني، فكلما ارتفعت المخاوف من اضطرابات أو توترات جديدة انعكس ذلك سريعا على قرارات الشراء وعلى حركة السيولة في الأسواق.
الاستثمار مرهون بمستوى الاستقرار
المرحلة الجديدة تضع ملف الاستثمار أيضا تحت الاختبار، فالمستثمر المحلي أو الأجنبي ينظر عادة إلى قدرة الدولة على توفير الأمن واستقرار التشريعات وسهولة حركة الأموال قبل اتخاذ قرارات طويلة الأمد، وتقول الحكومة العراقية إنها تعمل على تحسين بيئة الاستثمار واستقطاب رؤوس أموال جديدة من خلال اتصالات ومؤتمرات ومشاريع اقتصادية، بينما يرى مسؤولون عراقيون أن خروج القوات الأمريكية لا يفترض أن يؤدي تلقائيا إلى تراجع الاستثمارات أو اضطراب تدفق الدولار، خصوصا أن عملية الانسحاب جاءت نتيجة اتفاق رسمي بين بغداد وواشنطن وليست نتيجة أزمة مفاجئة بين الجانبين.
الدولار يبقى أحد أكثر الملفات حساسية
رغم فصل بغداد بين الملف العسكري والعلاقات الاقتصادية، يبقى الدولار من أكثر القضايا التي تثير القلق، بسبب الدور الكبير الذي تؤديه الولايات المتحدة في المنظومة المالية المرتبطة بالعراق، وكانت واشنطن قد أوقفت في وقت سابق شحنة نقدية إلى العراق تقدر بنحو 500 مليون دولار قبل أن تستأنف لاحقا إرسال جزء من الشحنات، بالتوازي مع تشديد وزارة الخزانة الأمريكية إجراءاتها ضد شبكات وشخصيات عراقية تتهمها بتمويل جماعات مسلحة أو بتسهيل وصول أموال إلى إيران، وهو ما يؤكد أن العلاقة المالية بين البلدين ستظل مؤثرة حتى بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف.
الانسحاب العسكري لا يعني استقلالا ماليا كاملا
يرى خبراء اقتصاديون عراقيون أن استكمال الانسحاب يمكن أن يمثل خطوة مهمة من حيث السيادة السياسية، لكن الحديث عن سيادة اقتصادية ومالية كاملة ما يزال أكثر تعقيدا، فجزء من الأموال العراقية موجود داخل النظام المالي الأمريكي، كما تستفيد الأصول العراقية من حماية مرتبطة بالأمر التنفيذي الأمريكي رقم 13303 الذي صدر عام 2003، إضافة إلى استمرار دور الاحتياطي الفدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية في عدد من الملفات المرتبطة بالدولار والتحويلات والأصول، وهو ما يعني أن فك هذا الارتباط يحتاج إلى مسار أطول ولا يرتبط حصرا بموعد خروج القوات الأجنبية.
القطاع المصرفي أمام فرصة واختبار في الوقت نفسه
القطاع المصرفي العراقي سيكون من أكثر القطاعات تأثرا بطريقة إدارة المرحلة المقبلة، إذ واجهت مصارف عراقية خلال السنوات الماضية قيودا وعقوبات مرتبطة بمخاوف تتعلق بالامتثال والتحويلات وتمويل جماعات مسلحة، ويرى مختصون أن نجاح الدولة في فرض رقابة أكبر على حركة الأموال وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يمكن أن يقلل من المخاطر ويرفع مستوى الثقة الدولية بالمصارف العراقية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعاملات مالية أكثر مرونة، في المقابل فإن استمرار النشاطات المالية غير القانونية أو تصاعد التوتر الأمني قد يؤدي إلى تشديد إضافي للرقابة الخارجية على القطاع.
الاقتصاد ينتظر ما ستفعله الدولة بعد خروج القوات الأجنبية
المسألة الأساسية بالنسبة إلى الاقتصاد العراقي لن تكون في الانسحاب نفسه بقدر ما ستكون في كيفية إدارة المرحلة التي تليه، فاستقرار الوضع الأمني وقدرة الحكومة على ضبط المؤسسات المالية وحماية الاستثمارات والحفاظ على علاقة مستقرة مع النظام المالي الدولي ستحدد إلى حد كبير اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة، وإذا نجحت بغداد في تقليص المخاطر السياسية والأمنية وتعزيز الثقة بالمؤسسات فقد يتحول الانسحاب إلى فرصة لدعم الاستثمار والقطاع الخاص، أما إذا ترافق مع اضطرابات أو توترات مالية جديدة فقد تستمر حالة الحذر في الأسواق وتبقى حركة الدولار والاستثمارات تحت ضغط الترقب.


