خيوط مسرح الدمى في سالسبورغ بالنمسا.. قرن من الإبداع

0
44

تتحرك 18 يداً من موقعها غير الظاهر فوق خشبة مسرح الدمى في مدينة سالسبورغ النمساوية لضخ الحياة في الشخصيات الموجودة أمام الجمهور، وهو فن تجاوز عمره المئة عام، يختزن قدراً كبيراً من السحر، ويتطلب مهارة يحتاج اكتسابها إلى سنوات من التدريب، ومن بين الذين يتولون شدّ الخيوط “من علوّ مترين فوق المسرح” إدوارد فانك، بنظارته المستديرة وشاربه الرفيع وشعره الأشعث.

نمّى فانك شغفاً بعالم ما وراء كواليس العروض منذ طفولته في باريس، ويعشق التقنية التي اخترعها قبل 110 سنوات مؤسس مسرح سالسبورغ البديع النحّات النمساوي أنتون أيشر، والتي باتت اليوم ضمن قوائم اليونسكو التراثية، وشبّه فانك البالغ 34 عاماً فن تحريك الدمى بـ”العزف على آلة موسيقية”. وقال “العازف لا يفكر في أوتار آلته أثناء العزف”، ويعرف النوتات التي يُفترض به أن يعزفها، أما على مسرح الدمى، فحركات الشخصيات تكون بالغة الدقّة، وتظهر المشاعر بصورة ملموسة، يستخدم محرّكو الدمى في مهمتهم أداةً على شكل صليب صغير توضع على يد واحدة، تُمكّنهم من جعل  الشخصيات “تقبّل أو تعانق”، وهو ما “ليس ممكناً دائماً بتقنية مختلفة”، وليس متاحاً تعلُّم كيفية استخدام هذه التقنية في أية مدرسة، وما على المهتمّ إلا أن يتدرّب في هذا المسرح بالذات، ويستلزم إتقانه هذا الفن على النحو الأمثل سنوات عدة، علماً أن بعض الشخصيات المعقدة قد تكون لها عشرات الخيوط، ويتطلب تحريكها نحو خمسة متخصصين.


عودة الاهتمام 

محرّكو الدمى هم أيضاً صانعوها، إذ يخصصون ساعات يومياً لهذه الكائنات الخشبية التي يوجد المئات منها في المَشاغل، قبل أن ينتقلوا إلى قاعة المسرح لتحريكها خلال العروض، ويتولى الفنانون أنفسهم نَحْتَ الدمى الخشبية وطلاءها وإلباسها، وهي تمثّل شخصيات أشهر الحكايات  ومنها “سنو وايت والأقزام السبعة” و”الأمير الصغير” و”الناي السحري”، أو مستوحاة من المسرحيات الغنائية، ورأى إدوارد فانك المتخصص في تصميم الأزياء المسرحية والفخور بانتمائه إلى الفريق أنها “مهنة غير عادية”، وزاد في السنوات الأخيرة عدد جمهور المسرح الذي يعتاش منه 19 شخصاً. واستنتج فانك أن الناس “سئموا العالم الافتراضي” وعادوا يهتمون مجدداً “بما يمكن لمسه وسماعه ورؤيته”، واعتبرت إيلزي لاوبيشلر (79 عاماً) التي واظبت منذ صغرها على الحضور إلى هذا المسرح أن “هذا الفن رائع حقاً”، وتحرص اليوم على أت تعرّف أحفادها به، وأضافت “أنا أحب الدمى، ولباقة حركاتها، وكونها يمكن أن تمثّل أي شيء، سواء أكان راقصة باليه أو تنيناً أو شخصية كاسبيرل” التقليدية الجرمانية، ومنذ عام 1961، أصبح لتقليد فن الدمى المعروف في بلدان عدة منذ آلاف السنين، مهرجان عالمي في شارلفيل-ميزيير بمنطقة آردان الفرنسية، لكنّ المنافسة لا تُقلق النمسا، ورأى فانك أن “من الصعب منافَسة مؤسسة بلغ عمرها قرناً”، كيف لا ومسرح مدينة سالسبورغ، مسقط موزار، هو الوحيد في العالم المخصص لإقامة مسرحيات أوبرالية بالدمى المتحركة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا